تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٦٩
و يكون الجهاد أيضا غير الجهاد باليد و اللسان، يكون اعتقادا و إضمارا و نية و من ذلك قول رسول اللّه (صلع) لأصحابه و قد انصرف من بعض غزواته: «إن بالمدينة قوما ما وقفتم موقفا و لا سلكتم سبيلا إلا و هم معكم. قالوا و من هم يا رسول اللّه؟ قال قوم كانوا يريدون ذلك و خلفهم العذر عنه». و يكون الجهاد أيضا النفقة فيه قال اللّه جل من قائل: «وَ جٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» و قال رسول اللّه (صلع):
«من جبن عن الجهاد بنفسه فليجهز رجلا من المجاهدين بماله يكون له ثواب المجاهد فى سبيل اللّه» و يكون الجهاد أيضا الدعاء إلى دعوة الحق لأن المجاهد فى الظاهر إنما يدعو المشركين إلى الإسلام فإن أبوا قاتلهم، و يكون الجهاد أيضا جهاد الأنفس [١] الأمارة بالسوء عما تأمر به من ذلك و تنزع إليه، قال اللّه جل من قائل: «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّٰارَةٌ بِالسُّوءِ» و قال «وَ لٰا تَتَّبِعِ الْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ» [٢] و قال: «أُولٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ وَ اتَّبَعُوا أَهْوٰاءَهُمْ» و قال رسول اللّه (صلع) و قد انصرف من بعض غزواته لمن كان معه من أصحابه: «إنكم قد انصرفتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا و أى جهاد هو هذا الجهاد الأكبر يا رسول اللّه؟ قال جهاد أنفسكم» و يكون الجهاد على هذا أيضا جهاد من يأمر المرء بمعصية اللّه فيخالف أمره كما ذكرنا من الجهاد بالقول و الأمر، و جهاد الهوى و جهاد الشيطان من ذلك، و هذه أيضا أصول من الجهاد يجرى عليها تأويله و يتصرف فيها وجوهه و يتلو ذلك من كتاب الدعائم. افتراض الجهاد:
قال اللّه جل ذكره لمحمد نبيه (صلع): «قُلْ يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّٰهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً» الآية و قال: «وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلّٰا كَافَّةً لِلنّٰاسِ» فمن أنكر من جميع الناس نبوة محمد (صلع) و دفعها وجب جهاده، و قال رسول اللّه (ص): «بعثت إلى الأحمر و الأسود و بعثت إلى الناس كافة» و دعا رسول اللّه (صلع) إلى الإسلام كل من وصلت دعوته إليه، و لما افترض اللّه جل و عز الجهاد عليه جاهد كذلك منهم من يليه، و قال على (ص) الجهاد فرض على جميع المسلمين و تلا قول اللّه أصدق القائلين:
«كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ» الآية، و قوله: «انْفِرُوا خِفٰافاً وَ ثِقٰالًا وَ جٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» و عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال فى قول اللّه عز و جل:
[١] النقس.
[٢] سورة يوسف: ٥٣.