تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٣٠
فى الظاهر مثل من أفرد العمرة قبل الحج، و كذلك فعل رسول اللّه (صلع) لما خرج عام الحديبية ليعتمر فصده المشركون عن العمرة و خرجوا لحربه و صدوه عن البيت و لقوه بالحديبية، و لم يكن خرج لحرب، و سفر بينه و بينهم رجل منهم فقضاهم على أن ينصرف عن عامه ذلك و يعتمر من قابل لما أنفوا من دخوله عليهم عنوة، و لأنه كما ذكرنا لم يكن خرج لحرب فانصرف و اعتمر من قابل، فبدأ بالعمرة ليدل بذلك على إقامته حجته أساس شريعته عليا (صلع) و أنه أقامه ليؤتى منه و نصبه بابا له و حجة، و قد ذكرنا فيما تقدم أن الحج فى اللغة التردد على شيء إذا أتاه مرة بعد مرة، و كذلك يكون فى الباطن التردد و الاختلاف إلى إمام الزمان، و العمرة فى اللغة الزيارة و كذلك يجب زيارة حجة إمام الزمان على المؤمنين.
فأما ما جاء من الاغتسال؛ فاغتسال المتمتع بالعمرة إلى الحج بعد انقضاء العمرة و إحرامه من المسجد الحرام و إهلاله بالتلبية إذا خرج إلى منى، مثله فى الباطن ما قد تقدم القول به و بيانه عند ذكر الإحرام قبل الدخول إلى مكة للعمرة و فعل هذا يكون للحج الّذي مثله كما ذكرنا مثل القصد إلى إمام الزمان، و جملة القول فى تأويل ذلك و قد تقدم شرحه كما ذكرنا على الكمال، أن الغسل مثله مثل الطهارة من الشك و المعاصى و كل مكروه و منهى عنه، و التلبية الاستجابة لدعوة إمام الزمان و جميع ما يأمر به و يدعو إليه، و دخول المسجد حافيا مثله مثل اطراح ظاهر أهل الباطل الّذي كان عليه الداخل ليدخل فى ظاهر دعوة الحق و باطنها، و ذلك مثل الإحرام فى إزار و رداء، و مثل ذلك مثل ظاهر أهل الحق و باطنه كما تقدم القول بذلك.
و يتلوه من كتاب الدعائم «ذكر الخروج إلى منى و الوقوف بعرفة»: و منى فى اللغة يتصرف على وجوه، فقيل إنها اشتقت منى من المنى و هو التقدير يقال منى الشيء إذا قدره و منه سميت الأمانى، لأن الإنسان يقدر فى نفسه ذلك و قيل من ذلك سميت المنى لأن الولد يقدر منه، و قيل إنما سمى منى من أجل ما يلقى فيها من فروث الهدى و أقذاره و ما يراق فيها من دمه من منى الجلد مناء، إذا ألقاه فى الدباغ لاستحالة ذلك و نتنه، و قال قوم هى مما منّ اللّه به على عباده، و من ذلك يقال فى الدعاء فيها اللهم إن هذه منى و هى مما مننت به على أوليائك و أهل طاعتك، و حد منى مهبط العقبة لى محسر و هو الوادى، و هو حد ما بين منى و مزدلفة و قيل إن عرفة سميت بذلك