تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٣
يفاتحه به فيها و يطلعه على ما لم يكن يطلعه عليه قبل انتقاله إليها و تأويل، ثلاث غسلات غسلة منها بالماء و الحرض و غسلة بالماء و الكافور و غسلة بالماء المحض ما قد منا ذكره من أن الماء مثله فى الباطن مثل العلم فمثل ثلاث غسلات مثل الثلاثة الحدود يرقى فيها المنقول حدّا بعد حد فى المفاتحة بالعلم، الّذي يرقى إليه فيفاتح فى أول حد من ذلك بما يزيل عنه الشكوك و الشبهات، كما يزال بأول غسلة عن الميت بالماء و الحرض و ما هو فى معناه مما ينقى الأوساخ التى مثلها مثل الشك عن البدن فيزيل عنه بما يفاتحه به من ذلك كل شك و شبهة كانت قد دخلت عليه فى أمر دينه ثم ينقله بالمفاتحة بالعلم إلى حد ثان يوضح له فيه معانى ما نقله إليه و يكشف له من ذلك ما تطيب به نفسه و يقر به عينه، و ذلك مثل الغسلة الثانية بالماء و الكافور، أو ما هو فى معناه من الطيب و الحنوط فإذا زالت عنه الشكوك و الشبهات و انكشفت له الأمور التى تطيب بها نفسه نقله إلى درجة ثالثة يفاتحه فيها بالعلم المحض الحقيقى الّذي به حياته و ذلك مثل الغسلة الثالثة بالماء محضا.
و يتلو ذلك قول على صلوات اللّه عليه ما من امرى مؤمن غسل أخا له فلم يقذره و لم ينظر إلى عورته و لم يذكر منه سوءا ثم شيعه و صلى عليه ثم جلس حتى يوارى فى قبره إلا خرج عطلا من ذنوبه، فهذا من الثواب قد جاء فى الظاهر لمن غسل ميتا و كذلك هو فى الباطن يكون للمفيدين الذين ينقلون المؤمنين فى درجات الإيمان و حدود دعوة الحق من درجة إلى درجة إذا كان المفيد لا يدرى بمن يفيده و ينقله لضعف حاله فى الظاهر، و إن كان مقلا خاملا و ذلك مثل قوله لم يقذره أى يحقره لضعفه فى الظاهر و قوله و لم ينظر إلى عورته فذلك مكروه فى الظاهر، و مما لا يجوز لمن غسل ميتا فى الظاهر أن يفعله بل يجتهد فى ستر عورته ما استطاع و لا يكشفها و لا ينظر إليها، و كذلك يجب على المفيد ألا يكشف لمن يفيده عورة و لا ينظر إليها و ذلك أنه لا ينبغى له أن يكشف عيوبه و لا يتتبعها و لا ينظر فيها إذا كانت مستورة عنه. كما تستر العورات فى الظاهر لأنه قل من يسلم من العيوب فيستر من ذلك ما ستره اللّه جل و عز و لا يكشفه و لا ينظر فيه، و يعامل من يعامله على ما يظهر إليه من أحواله، و أما قوله و لم يذكر منه سوء فكذلك ينبغى لمن غسل ميتا فى الظاهر ألا يذكر ما يكون منه و فيه من عيب و حدث أو ما يكره ذكره، و ذلك