تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٩
راض بفعله و حكمه غير منكر لشيء مما كان منه، فذلك ما لا حرج عليه فيه و يستعمل الصبر و السلو عن ذلك ما قدر عليه و استطاعه كما ذكرنا بمبلغ جهده و لا يدع ذلك ما قدر عليه بوسع استطاعته ما دام ذلك به؛ و مثل البكاء بالعويل و النياحة و الصراخ فى الموت الظاهر مثل إنكار المنقول عنه بعض أهل طبقته نقلهم على من نقلهم من ولاة أمورهم و أن يرى أن ذلك من فعلهم غير صواب أو يرى أنه كان يستحق ذلك معهم أو دونهم أن نقلوا إلى ما هو أعلى مما كانوا فيه أو أنهم ظلموا إن نقلوا إلى ما دون ذلك فهذا هو الأمر المنتهى عنه الّذي لا يحل و لا يجوز لأحد أن يعتقده بقلبه و لا أن يلفظ بلسانه و لا أن يومئ إليه.
و يتلو ذلك ما جاء من الرخصة فى النياحة على الأئمة صلوات اللّه عليهم إذا هم ماتوا، و ما كان من النياحة على الحسين بن على صلوات اللّه عليه و على المهدى عليه السلام، عند نقلتهما و موتهما فى الظاهرة و أن ذلك لعظيم رزئهما و جليل المصاب، و أنهما و غير هما من الأئمة على خلاف من دونهم من الناس، و أن من نهى أن يناح و يبكى عليه منهم فإنما فعل ذلك تواضعا و لما أوجبه زمانه و وقته، و مثل نقلة الأئمة بالموت الظاهر مثل استتارهم بعد ظهور هم لما يعترض عليهم من المحن و الخوف و التقية من المتغلبين؛ فإنكار ذلك بالقلب و اللسان على من فعله بهم و أدخله عليهم من الواجب على كل مؤمن من استطاع ذلك، و كذلك الحزن و البكاء من أجل ذلك حسن جميل غير مكروه و لا منهى عنه.
و يتلو ذلك ذكر غسل الموتى:
غسل الميت واجب على من قدر عليه و أمكنه فعله من الأحياء، و لا يغسل الميت إلا بعد أن يموت، و مثل ذلك فى تأويل الباطن ما قد تقدم القول به فى تأويل الطهارة أنها فى الباطن مثل الطهارة من المعاصى و الذنوب بالعلم و الحكمة، و أن الماء مثله مثل العلم، فالماء فى الظاهر يغسل الأقذار و الأوساخ عن الأبدان و العلم فى الباطن يطهر الأرواح مما اقترف عليها من المعاصى و الخطايا، و قد تقدم فى كتاب تأويل الطهارة إيضاح ذلك و بيانه و الشواهد له، و ذكرنا فى هذا الباب أن مثل النقلة بالموت من دار إلى دار مثل النقلة فى دعوة الحق من حد إلى حد، فالمنقول فيها من حد إلى حد لا بد لمن ينقله أن يفاتحه بالعلم و الحكمة إذا صار إلى الحد الّذي نقله إليه بما يجب أن يفاتحه به فيه، و لا يفاتحه بذلك إلا من هو فوقه و أعلم بما يفاتحه به و لا يكون عند المنقول علم من تلك المفاتحة فمن أجل ذلك كان