تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٥٦
مثل من خرج عن المدينة غير راغب عنها، و قوله خرج مجاز هاهنا و من كان معتقدا للشىء مرتبطا به لم يكن خارجا عنه بالحقيقة، و إن فارقه فى الظاهر و هو يعتقد مفارقته لم يكن مقيما عليه فى الحقيقة و من هذا قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لأصحابه و قد انصرف من بعض غزواته: «إن بالمدينة قوما ما سرتم مسيرا و لا قطعتم واديا إلا و هم معكم. قالوا من هم يا رسول اللّه قال: قوم كانت نياتهم على الخروج معكم فخلفهم عنكم العذر».
و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال: «ينبغى لمن أراد دخول المدينة زائرا أن يغتسل» تأويل ذلك ما تقدم القول به من أن مثل الغسل بالماء فى الظاهر مثل الطهارة من الخطايا و الذنوب بالعلم، و كذلك من دخل دعوة الإسلام كان ذلك مما ينبغى له و هو النزوع عن كل ذنب و خطيئة.
و يتلو ذلك قوله عليه السلام: و ينبغى لمن دخل المدينة زائرا أن يبدأ بعد حوطة رحله بمسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لزيارة قبره عليه السلام و الصلاة فى مسجده. و عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنه قال: «صلاة فى مسجد المدينة تعدل عشرة آلاف صلاة، و عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال:
أفضل موضع يصلى فيه من مسجد النبي صلى اللّه عليه و آله ما قرب من القبر، فإذا دخلت المدينة فاغتسل و أت المسجد فابدأ بقبر النبي وقف و سلم على النبي صلى اللّه عليه و آله و اشهد له بالرسالة و البلاغ، و أكثر من الصلاة عليه و ادع من الدعاء بما تقدر عليه و فتح لك فيه، و ليس فى الدعاء شيء موقت، و عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنه قال: «من زار قبرى بعد موتى كان كمن هاجر إلى فى حياتى، فمن لم يستطع زيارة قبرى فليبعث إلى بالسلام فإنه يبلغنى»، و عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال: و ينبغى أن آخر عهد الحاج عن المدينة قبر النبي صلى اللّه عليه و آله يودعه و يفعل كما فعل أول يوم يودعه و ينصرف، فهذا كله، هو كذلك فى الظاهر فضله و فرضه و مسنونه، و كذلك هو فى الباطن، و تأويله أن مثل مسجد النبي صلى اللّه عليه و آله مثل وصيه على عليه السلام و قد ذكرنا ذلك فيما تقدم و أن المساجد أمثالها أمثال الدعاة إلى اللّه عز و جل على مقاديرهم و فضلهم كمثل مقادير المساجد و فضلها، و لما قيل مسجد النبي كان مثله مثل الداعى الأكبر إليه و بابه