تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٤
و الآخرة، و حضور الولائم يلهى عن ذلك. فهذا مما ينبغى فعله فى الظاهر لما فيه من ذكر الآخرة و الموت فى الظاهر، و حضور الجنازة فى الباطن حضور نقلة المنقول فى حدود دعوة الحق، و ذلك يذكر من حضره فضل ما يصير إليه المنتقل، و مثل حضور الولائم فى الباطن مثل حضور أمور الدنيا الجارية بين أهلها و ذلك يسلى عما ذكرناه من أمر الدين و ينسيه.
و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله من قوله: «أكيس المؤمنين أكثرهم للموت ذكرا و أشدهم له استعدادا»؛ و هذا مما تقدم بيان التأويل فيه و الكيس فى اللغة العقل، و أعقل المؤمنين أكثرهم للموت الظاهر و الباطن ذكرا لأن من أكثر ذكر شيء اهتم به و أوشك أن يستعمل الواجب فيه و أشدهم له استعدادا فيستعد العمل الصالح ليرقى به فى درجات الفضل إذ كان الارتقاء فيها هو باطن الموت، و ذلك أيضا هو العدة لما بعد الموت الظاهر فى الحياة الدائمة.
و يتلوه قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «الموت ريحانة المؤمن» و الريحان أطراف كل نبت طيب الريح، و خص به الآس لاشتهاره فى ذلك و بقائه على الزمان، لا يسقط ورقه و لا يجف شجره فى شتاء و لا صيف، كما يجف عود غيره و يسقط ورقه و يقال للطاقة من كل ذلك ريحانة و هو مما يستحب و يستلذ، فأجاز رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أن الموت كذلك يكون للمؤمن يستحبه و يستلذه ظاهره و باطنه لما يصير إليه من الراحة و البقاء الدائم فى النعيم بعد حلول الظاهر منه به و ما يصير إليه من الرفعة و نيل الدرجة و الفوز و النعيم و الغبطة بعد ما حل به باطنه، و أما الكفار و المنافقون و الضالون و أهل المعاصى المتهاونون، فالموت وبال عليهم الظاهر منه و الباطن، لأنهم يصيرون بالظاهر منه إلى العذاب و هم بالباطن منه أموات غير أحياء كما وصفهم اللّه سبحانه فى الكتاب، و كذلك يكون على من كان من أهل الإيمان، ثم ألبس إيمانه بظلم فى الباطن لأنه إذا امتحن و ثبت عليه ما يوجب حطه عن درجته التى كان فيها حط بقدر ما اقترف، فإن أخرجه ذلك من الإيمان عاد ميتا إذ فارقه روح الإيمان، و إن أوجب ذلك حطه عن درجته إلى درجة دونها حط بقدر ما اقترف و استقبل من العمل ما يرقيه بعد ذلك أو يحطه فيكون الموت فى الظاهر و الباطن على هؤلاء وبالا، و هو على ذلك محمود لأنه يفرق بين الحق و الباطل، و يوجب الثواب