تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١١٣
مما جاء من الفرائض و الأحكام قول الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه لبنيه: إذا دخل شهر رمضان فأجهدوا أنفسكم، فإن فيه تقسم الأرزاق و توقت الآجال، و يكتب وفد اللّه الذين يفدون عليه، و فيه ليلة؛ العمل فيها خير من العمل فى ألف شهر؛ فهذا فى الظاهر ينبغى للمؤمنين أن يجهدوا أنفسهم فى شهر رمضان فى العمل الصالح، و فيه يكون ما ذكر فى الظاهر، و تأويل هذا القول أنه عنى ببنيه بنيه لصلبه، و جميع أوليائه من المؤمنين لأنهم بنوه على ما تقدم من البيان فى ذلك من أن أهل كل دعوة من الباطن أولاد لمن هم من أهل دعوته، و لمن يلى أمرهم من أسبابه طبقة بعد طبقة حتى يكون الداعى و بابه كذلك أبوين لأهل دعوتهما، و كذلك من فوقهما من الأسباب السفلية و العلوية، و فى هذا كلام يحتاج إلى شرح طويل و قد مضت منه جمل و سوف تسمعون تمامه إن شاء اللّه و من ذلك قول اللّه جل و عز من قائل: «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ هُوَ سَمّٰاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ» [١] لأن محمدا صلى اللّه عليه و على آله بعث على ملة إبراهيم و قال: أنا دعوة أبى إبراهيم، و منه قوله صلى اللّه عليه و على آله لعلى صلوات اللّه عليه «أنا و أنت يا على أبوا المؤمنين»، و من هذا الباب صار إلى الكفر من مضى من أهل الكتاب فزعمت النصارى أن المسيح ابن اللّه، و قالت اليهود عزير ابن اللّه و ذلك لما جمع لهم التوراة بعد أن ذهب من أيديهم و قالوا فى أنفسهم نحن أبناء اللّه و أحباؤه لأنهم يسمون كبراءهم فى الدين آباء على ما جاء فى التأويل، فذهبوا بفاسد تأويلهم و باطل تنزيلهم فى ذلك إلى أن جعلوا اللّه سبحانه و تعالى عن قولهم، كذلك أبا لهم و اللّه جل و عز لا يشبّه بأحد من خلقه و لا ينزل بشيء من أمرهم على شيء من أمره، سبحانه و تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، و قد قدمنا البيان عن هذه الأبوة فى الدين كيف تنزيلها و تأويلها فيما بين البشريين ظاهرا و باطنا و اللّه سبحانه المتنزه المتعالى عن أن يشبه بهم، المنفرد بالوحدانية فى كل الأشياء المزاوج لكل ما دونه إبانة له عنهم، لم يلد كما قال اللّه عز و جل «وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» [٢] كذلك هو سبحانه فى الظاهر و الباطن لا إله إلا هو، و قوله و فيه تقسم الأزراق يعنى فى شهر رمضان و قد ذكرنا أن تأويل
[١] الحج: ٧٨
[٢] سورة الإخلاص: ٣- ٤