تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١١٠
متقبلا منه كما قال الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه، و قد جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنه قال اللّه جل ثناؤه: «جعلت حسنات ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لى و أنا أجزى به» و قيل فى تأويل ذلك فى الظاهر أن ذلك لأن الصوم ليس يظهر من ابن آدم بلسان و لا فعل فتكتبه الحفظة و إنما هو منه بنية فى القلب و إمساك عن المطعم و المشرب، و كذلك تأويله فى الباطن الّذي ذكرنا أنه الكتمان هو كذلك بقول اللّه عز و جل «أنا أجزى به» أى أجزى على ذلك بما أراه من الضعف. قيل و من ذلك أن الصوم كما قيل ليس فيه رياء يعنى إذا لم يذكر الصائم ذلك و يصف به نفسه، قالوا: فهذا التفسير، و أعمال البر كلها للّه عز و جل و قد يكون فى الظاهر قوله: «الصوم لى و أنا أجزى به» بمعنى قوله جل ذكره: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ» [١] و قد قيل إنه إنما نسب ذلك جل و عز إليه تعظيما لأنه من أفضل المكاسب كما قال «وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ»، و كما قيل: بيت اللّه و سبيل اللّه و كل شيء فهو للّه جل و عز و لكنه إنما ينسب إليه ما يعظم و يفضل.
و يتلو ذلك من كتاب الدعائم ما جاء عن فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آلهما أنها قالت ما يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصن لسانه و سمعه و بصره و جوارحه و هذا مما تقدم ذكره من صون الجوارح فى الصوم عن محارم اللّه جل ذكره ظاهرا و باطنا لأن الصوم كما تقدم القول بصفته إنما هو إمساك عن أشياء فى ظاهره و باطنه و ليس بعمل شيء من الجوارح. و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر ابن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال لا صيام لمن عصى الإمام، و لا صيام لعبد آبق حتى يرجع إلى مولاه، و لا صيام لامرأة ناشزة حتى تتوب، و لا صيام لولد عاق حتى يبر. تأويل ذلك أن مثل العبد الآبق مثل الزائل من إمام زمانه النازع عن الكون فى جملته، و مثل المرأة الناشزة مثل المستفيد المنقطع عمن يفيده و المتخلف عن الإتيان إليه لالتماس الحكمة من قبله، و مثل الولد العاق مثل الجانى على داعيه أو على بابه اللذين هما أدنى أبويه إليه فمن فوقهما من حدود أولياء اللّه على ما
[١] الانفال: ٤١