تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٠٧
الجزء التاسع من كتاب تربية المؤمنين بالتوقيف على حدود باطن علم الدين.
المجلس الأول من الجزء التاسع:: [كتاب الصيام]
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ساطح الأرض و رافع السماء فالق الحب و جاعل كل شيء حي من الماء، و صلى اللّه على محمد خاتم الأنبياء، و على على وصيه و الأئمة الهداة من ذريته الأصفياء.
قد مر فيما قرئ عليكم أيها المؤمنون من كتاب دعائم الإسلام ما جاء فى ذكر الولاية و الطهارة و الصلاة و الزكاة، و سمعتم ظاهر ذلك و باطنه، و تنزيله و تأويله.
و الّذي يتلو ذلك من كتاب دعائم الإسلام كتاب الصوم فاسمعوا أيضا كذلك تنزيله و تأويله و ظاهره و باطنه، قال اللّه عز و جل: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ ... إلى قوله:
وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [١] فالصوم فى الظاهر المتعارف عند عامة الناس الإمساك عن الطعام و الشراب و الجماع و ما يجرى مجرى ذلك مما سنذكره فى هذا الباب إن شاء، اللّه فالإمساك عن ذلك فى النهار دون الليل هو ظاهر الصوم، و الصوم فى المتعارف فى اللغة ترك ذلك، و ترك الكلام أيضا فى اللغة التى نزل القرآن بها صوم قال اللّه عز و جل مخبرا عن قول مريم ابنة عمران:
«إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» [٢] قال أصحاب التفسير قولها نذرت للرحمن صوما أى صمتا، قالوا و الصمت صوم عن الكلام، قال أصحاب اللغة:
و الصوم أيضا قيام بلا عمل يقال من ذلك صام الفرس على أرية [٣] قالوا إذا كان قائما عليها لا يعتلف تبنا و لا يقضم شعيرا، و الأرية و الأخية جمعها أوارى و أواخى و هو ما ينصب للخيل من و قد تربط إليه مقاودها.
قال النابغة الذبيانى:
ألا أوارى لأياً ما أبينها
و النوى كالحوض بالمظلومة الجلد