السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٧٢ - باب الهجرة إلى المدينة
و قيل إن الذي كساهما طلحة بن عبيد اللّه. فقال في النور: و لعلهما لقياه معا أو متعاقبين فكسوه و أبا بكر ما ذكره، و هذا الجمع أولى من ترجيح الحافظ الدمياطي لهذا القيل و من ثم ذكر الحافظ ابن حجر أن هذا القيل هو الذي في السير. و مال الدمياطي إلى ترجيحه على عادته في ترجيح ما في السير على ما في الصحيح، لكنه ذكر أن ذلك كان شأنه في ابتداء أمره، فلما تضلع من الأحاديث الصحيحة كان يرى الرجوع عن كثير مما وافق عليه أهل السير و خالف الأحاديث الصحيحة.
فلما رآهم ذلك اليهودي يزول بهم السراب، أي يرفعهم و يظهرهم: أي و السراب ما يرى كالماء في وسط النهار في زمن الحرّ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم: أي حظكم الذي تنتظرون، أي و في رواية: فلما دنوا من المدينة بعثوا رجلا من أهل البادية إلى أبي أمامة و أصحابه من الأنصار، أي و لا مانع من وجود الأمرين، فثار المسلمون إلى السلاح، فبلغوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بظهر الحرة، أي و في لفظ: فوافوه و هو مع أبي بكر في ظل نخلة، و لعل تلك النخلة كانت بظهر الحرة فلا مخالفة، ثم قالوا لهما ادخلا آمنين مطمئنين.
و في لفظ: فاستقبله زهاء خمسمائة أي ما يزيد على خمسمائة من الأنصار، فقالوا:
اركبا آمنين مطاعين، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بقباء في دار بني عمرو بن عوف، و ذلك في يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول على كلثوم بن الهدم: أي لأنه كان شيخ بني عمرو بن عوف: أي و هم بطن من الأوس، قيل و كان يومئذ مشركا ثم أسلم و توفي قبل بدر بيسير و قيل أسلم قبل وصوله (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة، أي و عند نزوله (صلى اللّه عليه و سلم) نادى كلثوم بغلام له يا نجيح، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
أنجحت يا أبا بكر، و كان يجلس للناس و يتحدث مع أصحابه في بيت سعد بن خيثمة: أي لأنه كان عزبا لا أهل له هناك، أي و كان منزله يسمى منزل العزاب، و العزب من الرجال من لا زوجة له و لا يقال أعزب، و قيل هي لغة رديئة.
أقول: و بذلك يجمع بين قول من قال: نزل على كلثوم و قول من قال: نزل على سعد بن خيثمة، ثم رأيت الحافظ الدمياطي أشار إلى ذلك، و اللّه أعلم.
و نزل عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه لما قدم المدينة على كلثوم أيضا بقباء بعد أن تأخر بمكة بعده (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاث ليال يؤدي الودائع التي كانت عند النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، لأمره له (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك كما تقدم.
فلما توجه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة قام عليّ رضي اللّه تعالى عنه بالأبطح ينادي: من كان له عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وديعة فليأت تؤدى إليه أمانته، فلما نفد ذلك ورد عليه كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالشخوص إليه، فابتاع ركائب و قدم و معه الفواطم، و معه أم أيمن و ولدها أيمن، و جماعة من ضعفاء المؤمنين.