السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٢ - باب عرض رسول اللّه
فاختضبت رجلاها، ثم جاءته فمسح عنقها و طوّقها طوقا، و وهب لها الحمرة في رجليها، و أسكنها الحرم، و دعا لها بالبركة».
و في شعر الحارث بن مضاض الذي أوله:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر
و يبك لبيت ليس يؤذى حمامه* * * يظل به أمنا و فيه العصافر
ففي هذا الحمام قد كان في الحرم من عهد جرهم، أي و نوح. و ذكر بعضهم «أن حمام مكة أظله (صلى اللّه عليه و سلم) يوم فتحها، فدعا له بالبركة».
و يروى «أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه لما رأى قريشا أقبلت نحو الغار خصوصا و معهم القافة بكى، أي و يقال لما سمع القائف يقول لقريش: و اللّه ما جاز مطلوبكم من هذا الغار حزن و بكى، و قال: و اللّه ما على نفسي أبكي، و لكن مخافة أن أرى فيك ما أكره، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): لا تحزن إن اللّه معنا و أنزل اللّه تعالى سكينته على أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، أي و أنزل عليه أمنته التي تسكن عندها القلوب» قيل قال له لا تحزن و لم يقل له لا تخف، لأن حزنه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هذا النهي تأنيس و تبشير له كما في قوله تعالى له (صلى اللّه عليه و سلم) وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يونس: الآية ٦٥] و به يردّ ما زعمته الرافضة، أن ذلك غضبا من أبي بكر و ذما له، لأن حزنه رضي اللّه تعالى عنه إن كان طاعة فالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) لا ينهى عن الطاعة فلم يبق إلا أنه معصية.
و في رواية عن أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه «قلت للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) و نحن في الغار:
لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه» أي لأنهما علوا على رءوسهما.
فعن أبي بكر قال «نظرت إلى أقدام المشركين و نحن في الغار و هم على رءوسنا فقلت: يا رسول اللّه لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال:
يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما».
قال بعضهم: كان معهما و ثالثهما باللفظ و المعنى؛ أما باللفظ فكان يقال: يا رسول اللّه و يقال لأبي بكر، يا خليفة رسول اللّه، و أما بالمعنى فكان مصاحبا لهما بالنصر و الهداية و الإرشاد، و الضمير في وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [التوبة: الآية ٤٠] راجع النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و تلك الجنود ملائكة أنزلهم اللّه تعالى عليه في الغار يبشرونه بالنصر على أعدائه.
و روي «أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه عطش في الغار، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
اذهب إلى صدر الغار فاشرب، فانطلق أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه إلى صدر الغار فوجد ماء أحلى من العسل و أبيض من اللبن و أزكى رائحة من المسك فشرب منه، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن اللّه أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن يخرق نهرا من جنة