السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٤ - باب عرض رسول اللّه
يراعها حيث تذهب ساعة من العشاء و يغدو بها عليهما ثم يغلس: أي إذا خرج من عندهما عبد اللّه تبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يقفو أثر قدميه، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث: أي و ذلك بإرشاد من أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه.
ففي السيرة الهشامية: و أمر أبو بكر ابنه عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما أن يستمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر. و أمر عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه نهارا، ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار، و كانت أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنها تأتيهما إذا أمست بما يصلحهما من الطعام.
أقول: و في الدر عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ما كان أحد يعلم مكان ذلك الغار إلا عبد اللّه بن أبي بكر و أسماء بنت أبي بكر، فإنهما كانا يختلفان إليهما و عامر بن فهيرة، فإنه كان إذا سرح غنمه مر بهما فحلب لهما.
و في الفصول المهمة «و أقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاثة أيام بلياليها في الغار و قريش لا يدرون أين هو؟ و أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنها تأتيهما ليلا بطعامهما و شرابهما، فلما كان بعد الثلاث أمرها (صلى اللّه عليه و سلم) أن تأتي عليا و تخبره بموضعهما و تقول له يستأجر لهما دليلا و يأتي معه بثلاث من الإبل بعد مضي ساعة من الليلة الآتية: أي و هي الليلة الرابعة: فجاءت أسماء إلى علي (كرم اللّه وجهه) فأخبرته بذلك، فاستأجر لهما رجلا يقال له الأريقط بن عبد اللّه الليثي، و أرسل معه بثلاث من الإبل فجاء بهن إلى أسفل الجبل ليلا، فلما سمع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رغاء الإبل نزل من الغار هو و أبو بكر فعرفاه» أي و الذي في البخاري «فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا».
و تقدم أن المستأجر لهما للدليل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر.
و قد يجمع بأن المراد باستئجار علي رضي اللّه تعالى عنه إعطاؤه الأجرة، و كونه استأجر لهما ثلاث رواحل و أتى بها معه فيه نظر ظاهر، و ركب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و ركب أبو بكر و ركب الدليل.
و في الدر المنثور «فمكث هو (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر في الغار ثلاثة أيام يختلف إليهما بالطعام عامر بن فهيرة و عليّ يجهزهما، فاشترى ثلاثة أباعر و استأجر لهم دليلا، فلما كان في بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم عليّ بالإبل و الدليل». فليتأمل ذلك مع ما قبله.
و في حديث مرسل «مكثت مع صاحبي في الغار بضعة عشر يوما ما لنا طعام إلا ثمر البرير» أي الأراك. و تقدم في باب رعية الغنم أن ثمر الأراك النضيج يقال له الكباث بكاف فباء موحدة مفتوحتين فثاء مثلثة.