السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤١٠ - غزوة بني المصطلق
في قبر ابنه إبراهيم فأصلحه و قال: إن اللّه يحب من العبد إذا عمل عملا أن يتقنه» و أعطاه سعد بن عبادة رضي اللّه عنه بستانا كان يتحصل منه مال كثير.
و حاصل ما في الإمتاع فيما وقع بين حسان و صفوان: أن حسان رضي اللّه عنه لما قال:
أمسى الجلابيب قد عزوا و قد كبروا* * * و ابن القريعة أمسى بيضة البلد
قال صفوان: ما أراه إلا عناني أي بالجلابيب، و تقدم أن ابن أبيّ ابن سلول قد قالها في حق المهاجرين، و القريعة بالقاف: جدة حسان رضي اللّه عنه، و قيل أمه.
و قريعة الشيء: خياره، و قريعة القبيلة لسيدها، و استعمل بيضة البلد في الذم بقرينة المقام، و إلا فكما تستعمل في الذم تستعمل في المدح. و يقال: فلان بيضة البلد:
أي واحد في قومه عظيم فيهم. فعند ذلك خرج صفوان مصلتا السيف و جاء إلى حسان و هو في نادي قومه الخزرج و ضربه، فلقي بيده فوقع السيف فيها، فقام قومه و أوثقوا صفوان رباطا، ثم إنه حلّ و جيء به إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال حسان رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه شهر عليّ السيف في نادي قومي ثم ضربني و لا أراني إلا ميتا من جراحتي، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) لصفوان: و لم ضربته و حملت السلاح عليه؟ و تغيظ لحسان، فقال صفوان ما تقدم. ثم قال لقوم حسان: احبسوا صفوان، فإن مات حسان فاقتلوه به، فحبسوه، فبلغ ذلك سيد الخزرج سعد بن عبادة، فأقبل على قومه و لامهم على حبسه، فقالوا: أمرنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بحبسه و قال لنا: إن مات صاحبكم فاقتلوه. فقال سعد: و اللّه إن أحبّ الأمر إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) العفو عنه، و لكن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قضى بالحق، و اللّه لا أبرح حتى يطلق، فاستحى القوم و أطلقوه، و أخذه سعد و انطلق به إلى منزله و كساه حلة، و جاء به إلى المسجد، فلما رآه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: صفوان؟ قالوا: نعم يا رسول اللّه، قال: من كساه؟ قالوا سعد بن عبادة. قال: كساه اللّه من ثياب الجنة.
ثم إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كلم حسان رضي اللّه عنه في العفو عن صفوان. فقال: يا رسول اللّه كل حق لي قبل صفوان فهو لك. فقال (صلى اللّه عليه و سلم): قد أحسنت و قبلت ذلك. ثم أعطاه (صلى اللّه عليه و سلم) أرضا له و سيرين جاريته أخت مارية أم ولده إبراهيم و أعطاه أيضا سعد بن عبادة رضي اللّه عنه حائطا كان يتحصل منه مال كبير بما عفا عن حقه.
و قيل إنما أعطاه سيرين لذبه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بشعره. فقد قال ابن عبد البر (رحمه اللّه): إعطاء رسول اللّه سيرين أخت مارية لحسان بن ثابت يروى من وجوه، و أكثرها أن ذلك ليس بسبب ضرب صفوان له بل لذبه بلسانه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
قيل و كان لسان حسان يصل لجبهته و إلى نحره. و كذلك كان أبوه وجده، و كان حسان رضي اللّه عنه يقول على لسانه: و اللّه لو وضعته على صخر لفلقه أو شعر لحلقه. و قد عمي مسطح أيضا.