السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤١٢ - غزوة بني المصطلق
بالإفك كان أكثر أوقاته في البيت، فدخل عليه عمر رضي اللّه عنه، فاستشاره (صلى اللّه عليه و سلم) في تلك الواقعة، فقال: يا رسول اللّه أنا أقطع بكذب المنافقين، و أخذت براءة عائشة رضي اللّه عنها من الذباب، لأن الذباب لا يقرب بدنك؛ فإذا كان اللّه تعالى صان بدنك أن يخالطه الذباب لمخالطته للقاذورات فكيف أهلك؟.
و دخل عليه (صلى اللّه عليه و سلم) عثمان رضي اللّه عنه فاستشاره، فقال له عثمان: يا رسول اللّه أخذت براءة عائشة رضي اللّه عنها من ظلك، إني رأيت اللّه تعالى صان ظلك أن يقع على الأرض: أي لأن شخصه الشريف كان لا يظهر في شمس و لا قمر، لئلا يوطأ بالأقدام. فإذا صان اللّه ظلك فكيف بأهلك. أي و قد أشار إلى ذلك الإمام السبكي (رحمه اللّه) في تائيته بقوله:
لقد نزه الرحمن ظلك أن يرى* * * على الأرض ملقى فانطوى لمزية
و هنا لطيفة لا بأس بها: و هي أن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما كان مسافرا و كان يسايره يهودي، فلما أراد المفارقة قال عبد اللّه رضي اللّه عنه لليهودي: بلغني أنكم تدينون بإيذاء المسلمين، فهلا قدرت على شيء من ذلك معي و أقسم عليه، فقال: إن أمنتني أخبرتك، فأمنه، فقال: لم أقدر عليك في شيء أكثر من أني كنت إذا رأيت ظلك وطئته بقدمي وفاء بأمر ديننا.
و دخل عليه (صلى اللّه عليه و سلم) علي (كرم اللّه وجهه) فاستشاره، فقال له علي (كرم اللّه وجهه):
أخذت براءة عائشة من شيء هو أنا صلينا خلفك و أنت تصلي بنعليك، ثم إنك خلعت إحدى نعليك فقلنا ليكون ذلك سنة لنا، قلت لا، إن جبريل (عليه السلام) أخبرني أن في تلك النعل نجاسة، فإذا كان لا تكون النجاسة بنعليك فكيف تكون بأهلك؟ فسرّ (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك، أي و يحتاج أئمتنا إلى الجواب عن خلع إحدى نعليه في أثناء الصلاة لنجاسة بها و استمر في الصلاة.
و عن أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه أنه قال لزوجته أم أيوب: أ لا ترين ما يقال: أي من الإفك؟ فقالت له: لو كنت بدل صفوان أ كنت تهمّ بسوء لمحرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ قال لا. قالت: و لو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فعائشة خير مني و صفوان خير منك.
و في السيرة الشامية أن أبا أيوب رضي اللّه عنه قالت له زوجته أم أيوب: أ لا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال بلى، و ذلك الكذب، أ كنت يا أم أيوب فاعلة؟
قالت: لا، و اللّه ما كنت لأفعله. قال: فعائشة و اللّه خير منك.
و جاء أن ابن عباس رضي اللّه عنهما دخل على عائشة رضي اللّه عنها في مرض موتها فوجدها وجلة من القدوم على اللّه، فقال لها: لا تخافي، فإنك لا تقدمين إلا