السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٣ - باب عرض رسول اللّه
عبد اللّه بن جدعان فأعتقه و أقام بمكة حينا، فلما بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أسلم و كان إسلامه و إسلام عمار بن ياسر في يوم واحد. و قد يقال: يجوز أن تكون تلك المرأة التي اشترته كانت من بني كلب.
و عن صهيب رضي اللّه تعالى عنه «صحبت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن يوحى إليه و أنه قال له عمر رضي اللّه تعالى عنه: يا صهيب اكتنيت و ليس لك ولد؛ فقال: كناني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأبي يحيى» فهو من جملة من كناه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لا ولد له؛ و كان في لسانه عجمة شديدة، و كان فيه دعابة «رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يأكل قثاء و رطبا و هو أرمد إحدى عينيه، فقال له: تأكل رطبا و أنت أرمد؟ فقال: إنما آكل من ناحية عيني الصحيحة فضحك (صلى اللّه عليه و سلم)».
و في المعجم الكبير للطبراني عن صهيب، قال «قدمت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و بين يديه تمر و خبز، فقال: ادن فكل، فأخذت آكل من التمر، فقال لي: أ تأكل التمر و عينك رمدة، فقلت: يا رسول اللّه أمصه من الناحية الأخرى، فتبسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» أي و لا مانع من التعدد «و لما أذن (صلى اللّه عليه و سلم) لأصحابه في الهجرة و هاجروا مكث (صلى اللّه عليه و سلم) بعد أصحابه ينتظر أن يؤذن له في الهجرة و لم يتخلف معه إلا علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه و أبو بكر أي و صهيب كما علمت، و من كان محبوسا أو مريضا أو عاجزا عن الخروج، و كان أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه كثيرا ما يستأذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الهجرة، فيقول له: لا تعجل لعل اللّه أن يجعل لك صاحبا فيطمع أبو بكر أن يكون هو» و في رواية «تجهز أبو بكر، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): على رسلك؛ فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال له أبو بكر هل ترجو ذلك بأبي أنت و أمي؟
قال نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ليصحبه و علف راحلتين عنده الخبط» أي و في لفظ «ورق السمر» بفتح المهملة و ضم الميم، قال الزهري، و هو الخبط. قال ابن فارس: و الخبط ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر، و كان مدة علفها أربعة أشهر، و كان اشتراهما بثمانمائة درهم.
أقول: ظاهر هذا السياق أن علفه للراحلتين كان بعد قول المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) له ما ذكر. و معلوم أن ذلك بعد مبايعة الأنصار (صلى اللّه عليه و سلم)، و المدة بين مبايعة الأنصار له (صلى اللّه عليه و سلم) و الهجرة كانت ثلاثة أشهر أو قريبا منها، لأنها كانت في ذي الحجة، و مهاجرته (صلى اللّه عليه و سلم) كانت في ربيع الأول.
و في السيرة الشامية ما يصرح بأن علفة للراحلتين كان بعد قول المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) له ما ذكر. ففيها «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما قال لأبي بكر و قد استأذنه في الهجرة: لا تعجل لعل اللّه يجعل لك صاحبا» طمع بأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إنما يعني نفسه فابتاع راحلتين فحبسهما في داره يعلفهما إعدادا لذلك، و سيأتي عن الحافظ ابن حجر أن بين ابتداء