السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣١ - باب عرض رسول اللّه
فقرأها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قال لعياش «قم فحرر» أي أعتق رقبة. و ما ذكر من أن عياشا استمر محبوسا إلى الفتح يخالف قول بعضهم: مكث (صلى اللّه عليه و سلم) و هو بالمدينة كما سيأتي أربعين صباحا يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع: أي من الركعة الأخيرة «و كان يقول في قنوته اللهم أنج الوليد بن الوليد و عياش بن أبي ربيعة و هشام بن العاص، و المستضعفين من المؤمنين بمكة الذين لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا» فإن هذا يدل على أن هشام بن العاص و عياش بن أبي ربيعة لم يفتتنا و لم يرجعا عن الإسلام. و في السيرة الهشامية ما يفيد أنهما فتنا، الأول صريحا، و الثاني ظاهرا.
و في السيرة الهشامية التصريح بافتتانهما، و فيه نظر لما ذكر، و لأنهما لو كانا فتنا لأطلقا من الحبس و القيد و إدامة ذلك، إلا أن يقال فعل بهما ذلك لعدم الوثوق برجوعهما عن الإسلام. و مما يدل على أن رجوعهما عن الإسلام إن صح إنما كان ظاهرا فقط دعاؤه (صلى اللّه عليه و سلم) لهما.
أي و سيأتي أن الوليد كان سببا لتخليص عياش بن أبي ربيعة و هشام بن أبي العاص بعد أن تخلص من الحبس و هاجر إلى المدينة، فإن الوليد كان أسر ببدر ثم افتداه أخوه خالد و هشام ابنا الوليد بن المغيرة و ذهبا به إلى مكة فأسلم و أراد الهجرة فحبساه بمكة. و قيل له: هلا أسلمت قبل أن تفدى؟ قال: كرهت أن يظن فيّ أني جزعت من الأسر، ثم نجا و توصل إلى المدينة و رجع إلى مكة مستخفيا و خلص عياشا و هشاما و جاء بهما إلى المدينة، فسر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك و شكر صنيعه، و به يعلم ضعف ما تقدم من أن عياشا لم يزل محبوسا إلى يوم الفتح.
و ممن هاجر قبل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) سالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أي لأنه لما أعتقته زوجة أبي حذيفة و كانت أنصارية تبناه أبو حذيفة، و كان يؤمّ المهاجرين بالمدينة فيهم عمر بن الخطاب، لأنه كان أكثرهم أخذ للقرآن، فكان عمر بن الخطاب يثني عليه كثيرا، حتى قال لما أوصى عند قتله: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا ما جعلتها شورى. قال ابن عبد البر: معناه أنه كان يأخذ برأيه فيمن يولّيه الخلافة: أي فإنه قتل في يوم اليمامة، و أرسل عمر بميراثه لمعتقته فأبت أن تقبله، فجعله في بيت المال.
و لما أراد صهيب الهجرة إلى المدينة، أي بعد أن هاجر إليها (صلى اللّه عليه و سلم)، خلافا لما يوهمه كلام الأصل و الشامي قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا فقيرا فكثر مالك عندنا ثم تريد أن تخرج بمالك؟ لا و اللّه لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب، أ رأيتم إن جعلت لكم مالي أ تخلون سبيلي؟ قالوا نعم، قال: فإني جعلته لكم، فبلغ ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال «ربح صهيب».
أقول: «و ذكر أن صهيبا تواعد معه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يكون معه في الهجرة فلما أراد (صلى اللّه عليه و سلم)