السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٢ - باب عرض رسول اللّه
الخروج للغار أرسل إليه أبا بكر مرتين أو ثلاثا فوجده يصلي، فكره أن يقطع عليه صلاته» كما سيأتي، و حينئذ يكون قول صهيب المذكور بعد هجرته (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة كما تقدم، و هو ما في الخصائص الكبرى عن صهيب «لما خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة و خرج معه أبو بكر و قد كنت هممت بالخروج معه فصدني فتيان من قريش» أي بعد أن أردت الخروج بعده «و قالوا له جئتنا فقيرا حقيرا صعلوكا فكثر مالك عندنا و تريد أن تخرج بمالك و نفسك لا يكون ذلك أبدا، قال فقلت لهم: أنا أعطيكم أواقي من الذهب. و في لفظ ثلث مالي. و في لفظ: مالي و تخلون سبيلي، ففعلوا، فقلت احفروا تحت أسكفة الباب، فإن تحتها الأواقي، و خرجت حتى قدمت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قباء قبل أن يتحوّل منها، فلما رآني قال يا أبا يحيى ربح البيع ثلاثا، فقلت: يا رسول اللّه إنه ما سبقني إليك أحد، و ما أخبرك إلا جبريل عليه الصلاة و السلام» أي و أخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن المسيب قال «أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قد أخذ سيفه و كنانته و قوسه، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته و انتثل ما في كنانته. ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلا و أيم اللّه لا تصلون إليّ حتى أرمي بكل سهم في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقيّ في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم، و إن شئتم دللتكم على مالي بمكة و خليتم سبيلي، فقالوا نعم، فقال لهم ما تقدم» و في رواية «أنهم قالوا له: دلنا على مالك و نخلي عنك، و عاهدوه على ذلك ففعل».
و ذكر بعض المفسرين «أن المشركين أخذوه و عذبوه فقال لهم: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي و تذروني و ديني، و تتركوا لي راحلة و نفقة ففعلوا، و نزل قوله تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة: الآية ٢٠٧] قال: فلما قدمت وجدت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أبا بكر جالسين، فلما رآني أبو بكر قام إليّ فبشرني بالآية التي نزلت فيّ أي و في رواية «فتلقاني أبو بكر و عمر و رجال، فقال لي أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى، فقلت: و بيعك، هلا تخبرني ما ذاك؟ فقال: أنزل اللّه فيك كذا، و قرأ عليّ الآية».
و في تفسير سهل بن عبد اللّه التستري أن صهيبا كان من المشتاقين لم يكن له قرار؛ كان لا ينام لا بالليل و لا بالنهار.
و قد حكي أن امرأة اشترته فرأته كذلك، فقالت: لا أرضى لك حتى تنام بالليل، لأنك تضعف فلا يتهيأ لك الاشتغال بأعمالي؛ فبكى و قال: إن صهيبا إذا ذكر النار طار نومه و إذا ذكر الجنة جاء شوقه، و إذا ذكر اللّه طال شوقه: أي و ليتأمل هذا مع ما في تاريخ ابن كثير أن الروم أغارت على بلاد صهيب و كانت على دجلة، و قيل على الفرات، فأسرته و هو صغير، ثم اشتراه منهم بنو كلب فحملوه إلى مكة فابتاعه