السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١٢ - باب غزوة بدر الكبرى
المهملة، أي لينا كثير التراب تسيخ فيه الأقدام، فبعث اللّه السماء» أي المطر «فأطفأت الغبار»، و لبدت الأرض» أي شدتها للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) و لأصحابه، أي و طهرهم به و أذهب عنهم رجز الشيطان» أي وسوسته «و شربوا منه و ملئوا الأسقية و سقوا الركائب، و اغتسلوا من الجنابة، أي و طابت نفوسهم، فذلك قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال: الآية ١١] أي من الأحداث وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ [الأنفال: الآية ١١] أي وسوسته وَ لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ [الأنفال: الآية ١١] أي يشدّها و يقويها وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [الأنفال: الآية ١١] أي بتلبيد الأرض حتى لا تسوخ في الرمل «و أصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا منه أي و يصلوا إلى الماء» أي فكان المطر نعمة و قوة للمؤمنين و بلاء و نقمة للمشركين.
و عن علي رضي اللّه تعالى عنه «أصابنا من الليل طس من مطر، فانطلقنا تحت الشجر و الجحف نستظل تحتها من المطر، و بات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يدعو ربه».
و عن عليّ رضي اللّه تعالى عنه «ما كان فينا أي تلك الليلة قائم إلا رسول اللّه يصلي تحت شجرة و يكثر في سجوده أن يقول، يا حي يا قيوم يكرر ذلك حتى أصبح أي لأن المسلمين أصابهم تلك الليلة نعاس شديد يلقي الشخص على جنبه».
أي و عن قتادة «كان النعاس أمنة من اللّه، و كان النعاس نعاسين، نعاس يوم بدر، و نعاس يوم أحد» لأن النعاس هنا كان ليلا قبل القتال؛ و في أحد كان وقت القتال، و كون النعاس أمنة وقت القتال أو وقت التأهب له و هو وقت المصافة واضح لا قبله.
هذا و ذكر الشمس الشامي أنه لما نزلت الملائكة و الناس بعد على مصافهم لم يحملوا على عدوهم، و بشرهم (صلى اللّه عليه و سلم) بنزول الملائكة حصل لهم الطمأنينة و السكينة، و قد حصل لهم النعاس الذي هو دليل على الطمأنينة، و ربما يقتضي أنه حصل لهم النعاس عند المصافة، و إلا فقد يقال إن قوله و قد حصل لهم النعاس جملة حالية، أي و الحال أنه حصل لهم قبل ذلك في تلك الليلة؛ لا في وقت المصافة.
و لا يبعد ذلك قوله بعد ذلك: و لهذا قال ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه:
النعاس في المصاف من الإيمان و النعاس في الصلاة من النفاق، أي لأنه في الأول يدل على ثبات الجنان، و في الثاني يدل على عدم الاهتمام بأمر الصلاة.
«فلما أن طلع الفجر نادى (صلى اللّه عليه و سلم) الصلاة عباد اللّه، فجاء الناس من تحت الشجر و الحجف، فصلى بنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و حرض على القتال» أي في خطبة خطبها «فقال بعد أن حمد اللّه و أثنى عليه: أما بعد فإني أحثكم على ما حثكم اللّه عليه، إلى أن قال: و إن الصبر في مواطن البأس مما يفرج اللّه تعالى به الهمّ و ينجي به من الغم» الحديث.