السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١٤ - باب غزوة بدر الكبرى
و لا أطوع لك منهم، لهم رغبة في الجهاد و نية، و لو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، إنما ظنوا أنها العير يمنعك اللّه بهم و يناصحونك و يجاهدون معك، فأثنى عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خيرا و دعا له بخير، أي و قال: أو يقضي اللّه خيرا من ذلك يا سعد أي و هو نصرهم و ظهورهم على عدوهم ثم بني» أي ذلك العريش «لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أي فوق تل مشرف على المعركة كان فيه».
أي و عن علي رضي اللّه تعالى عنه «أنه قال لجمع من الصحابة، أخبروني عن أشجع الناس؟ قالوا أنت؛ قال: أشجع الناس أبو بكر، لما كان يوم بدر جعلنا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عريشا فقلنا: من مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» أي من يكون معه «لئلا يهوي إليه أحد من المشركين، فو اللّه، ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه» أي و لذلك حكم عليّ أنه أشجع الناس. و به يرد قول الشيعة و الرافضة إن الخلافة لا يستحقها إلا عليّ، لأنه أشجع الناس، أي و هذا كان قبل أن يلتحم القتال، و إلا فبعد التحامه كان عليّ على باب العريش الذي به (صلى اللّه عليه و سلم)، و أبو بكر و سعد بن معاذ قائمان على باب العريش في نفر من الأنصار كما سيأتي.
و مما استدل على أن أبا بكر أشجع من علي أن عليا أخبره النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه لا يقتله إلا ابن ملجم، فكان إذا دخل الحرب و لاقى الخصم علم أنه لا قدرة له على قتله، فهو معه كالنائم على فراشه. و أما أبو بكر فلم يخبر بقاتله، فكان إذا دخل الحرب لا يدري هل يقتل أو لا، و من هذه حاله يقاسي من التعب ما لا يقاسيه غيره.
و مما يدل على ذلك ما وقع له في قتال أهل الردة، و تصميمه العزم على مقاتلة مانعي الزكاة مع تثبيط سيدنا عمر له عن ذلك.
«فلما كان الصباح أقبلت قريش من الكثيب» هذا يؤيد القول بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) سار بأصحابه ليلا يبادرهم إلى الماء، لأن ذلك بعد طلوع الفجر و صلاة الصبح كما تقدم، لأن الظاهر من قول الراوي أقبلت: أي عليهم هم ماكثون.
و يؤيده أيضا ما في مسلم عن أنس رضي اللّه تعالى عنه «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال ليلة بدر» أي بعد أن وصل إلى محل الوقعة «هذا مصرع فلان إن شاء اللّه غدا و وضع يده على الأرض، و هذا مصرع فلان هاهنا، و هذا مصرع فلان هاهنا. قال أنس: ما ماط أحدهم عن موضع يده (صلى اللّه عليه و سلم)» أي ما تنحى فليتأمل الجمع.
و لما رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قريشا و قد أقبلت بالدروع الساترة و الجموع الوافرة و الأسلحة الشاكية أي التامة قال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها» أي كبرها