السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٣٩ - باب بدء الأذان و مشروعيته
قال أبو داود: و تثنية الأذان و إفراد الإقامة مذهب أكثر علماء الأمصار، و جرى به العمل في الحرمين و الحجاز و بلاد الشام و اليمن و ديار مصر و نواحي المغرب، أي إلا مصر في المساجد التي تغلب صلاة الأروام بها فإن الإقامة تثنى كالأذان فيها.
و قد ذكر أن أبا يوسف (رحمه اللّه) ناظر إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه في المدينة بين يدي مالك رضي اللّه تعالى عنه و الرشيد، فأمر الشافعي بإحضار أولاد بلال و أولاد سائر مؤذني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال لهم: كيف تلقيتم الأذان و الإقامة عن آبائكم؟ فقالوا: الأذان مثنى مثنى و الإقامة فرادى، هكذا تلقيناه من آبائنا، و آباؤنا عن أسلافنا إلى زمن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و جاء «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) سمع بلالا يقيم الصلاة، فلما قال:
قد قامت الصلاة، قال (صلى اللّه عليه و سلم) أقامها اللّه و أدامها» و في البخاري «من قال حين يسمع النداء: أي الأذان، اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة و الفضيلة و ابعثه مقاما محمودا الذي وعدته وجبت له شفاعتي يوم القيامة».
قال بعضهم: كان المؤذنون في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مؤذنين بلالا و ابن أم مكتوم، فلما كان زمن عثمان رضي اللّه تعالى عنه جعلهم أربعا و زاد الناس بعده.
و لما مات (صلى اللّه عليه و سلم) ترك بلالا الأذان و لحق بالشام، فمكث زمانا، فرأى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في المنام فقال له: يا بلال جفوتنا و خرجت من جوارنا فاقصد إلى زيارتنا. و في لفظ أنه قال له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا فانتبه بلال رضي اللّه تعالى عنه فقصد المدينة، فلما انتهى إلى المدينة تلقاه الناس، أي و أتى قبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و جعل يبكي عنده و يتمرغ عليه، و أقبل على الحسن و الحسين يقبلهما و يضمهما، و ألحوا عليه أن يؤذن، فلما صعد ليؤذن اجتمع أهل المدينة رجالهم و نساؤهم، و خرجت العذارى من خدورهن ليستمعوا أذانه رضي اللّه تعالى عنه، فلما قال: اللّه أكبر ارتجت المدينة و صاحوا و بكوا؛ فلما قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه ضجوا جميعا، فلما قال:
أشهد أن محمدا رسول اللّه لم يبق ذو روح إلا بكى و صاح، و كان ذلك اليوم كيوم موت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم انصرف إلى الشام و كان يرجع إلى المدينة في كل سنة مرة فينادي بالأذان إلى أن مات رضي اللّه تعالى عنه.
أقول: في كلام بعضهم كان سعد القرظ رضي اللّه تعالى عنه مؤذنه (صلى اللّه عليه و سلم) بقباء، فلما لحق بلال بالشام أيام عمر رضي اللّه تعالى عنه أمر سعد القرظ أن يؤذن في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي فإن بلالا لما توفي رسول اللّه صلى الله عليه و سلم جاء إلى أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه فقال: يا خليفة رسول اللّه، إني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول «أفضل أعمال المؤمن الجهاد في سبيل اللّه» و قد أردت أن أرابط في سبيل اللّه حتى أموت، فقال له أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه: أنشدك اللّه يا بلال و حرمتي و حقي عليك أن لا تفارقني، فأقام بلال حتى توفي أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه و هو يؤذن. ثم جاء إلى