السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٨ - باب الهجرة إلى المدينة
و كان من جملة ما انتقم به على عثمان رضي اللّه تعالى عنه، أنه أعطى ابن عمه مروان بن الحكم مائة ألف و خمسين أوقية. و أعطى الحارث عشر ما يباع في السوق:
أي سوق المدينة. و أنه جاء إليه أبو موسى بكيلة ذهب و فضة فقسمها بين نسائه و بناته، و أنه أنفق أكثر ببيت المال في عمارة ضياعه و دوره، و أنه حمى لنفسه دون إبل الصدقة، و أنه حبس عبد اللّه بن مسعود و هجره، و حبس عطاء و أبي بن كعب، و نفى أبا ذر إلى الربذة، و أشخص عبادة بن الصامت من الشام لما شكاه معاوية، و ضرب عمار بن ياسر و كعب بن عبدة، ضربه عشرين سوطا و نفاه إلى بعض الجبال، و قال لعبد الرحمن بن عوف: إنك منافق، و إنه أقطع أكثر أراضي بيت المال، و أن لا يشتري أحد قبل وكيله و أن لا تسير سفينة في البحر إلا في تجارته، و أنه أحرق الصحف التي فيها القرآن، و أنه أتمّ الصلاة بمنى و لم يقصرها لما حج بالناس، و أنه ترك قتل عبيد اللّه و قد قتل الهرمزان. و قد أجاب عن ذلك كله في الصواعق فراجعه.
و ما رواه الزبير بن بكار عن أنس من أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يعمل اللبن و لم يبن به المسجد إلا بعد أربع سنين من الهجرة رأيت ما يرده في تاريخ للمدينة. و نصه: ما روي عن أنس واه أو مؤوّل، و المعروف خلافه و اللّه أعلم.
و عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال «لو بني مسجدي هذا إلى صنعاء كان مسجدي» قال بعضهم: إن صح هذا كان من أعلام نبوته (صلى اللّه عليه و سلم)، أي لأنه وسع بعد ذلك: أي وسعه المهدي و ذلك في سنة ستين و مائة ثم زاد فيه المأمون في سنة اثنتين و مائتين.
و به يرد القول بأن المضاعفة خاصة بالموجود حين الإشارة: أي لكن المحافظة على الصلاة فيما كان في عهده (صلى اللّه عليه و سلم) أولى.
قال: و بنى حجرتين لعائشة و سودة: أي بناهما مجاورتين للمسجد و ملاصقتين له على طرز بناء المسجد من لبن، و جعل سقفهما من جذوع النخل و الجريد: أي و قدم رجل من أهل اليمامة عند الشروع في بناء المسجد يقال له طلق من بني حنيفة.
فعنه رضي اللّه تعالى عنه قال: قدمت على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يا بني مسجده و المسلمون يعملون معه فيه، و كنت صاحب علاج الطين، فأخذت المسحاة و خلطت بها الطين، فقال لي: يعني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «رحم اللّه امرأ أحسن صنعته» و قال لي «الزم أنت هذا الشغل فإني أراك تحسنه» و في لفظ «إن هذا الحنفي لصاحب طين» و في لفظ «قربوا اليماني من الطين، فإنه أحسنكم له مسكا، و أشدكم منكبا» و في لفظ «دعوا الحنفي و الطين فإنه من أصنعكم للطين» و أرسل و هو في بيت أبي أيوب زيد بن حارثة و أبا رافع مكة و أعطاهما خمسمائة درهم و بعيرين ليأتيا بأهله: أي و الخمسمائة أخذها من أبي بكر ليشتريا بها ما يحتاجان إليه، فاشترى بها زيد ثلاثة أبعرة، و أرسل معهما أبو