العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٣ - يوم اللوى لغطفان على هوازن
يقال له اللوى، فقتل عبد اللّه، و ارتثّ [١] دريد فبقي في القتلى فلما كان في بعض الليل أتاه فارسان، فقال أحدهما لصاحبه: أني أرى عينيه تبصّ [٢] ، فانزل فانظر إلى سبّته [٣] . فنزل فكشف ثوبه فإذا هي ترمّز [٤] فطعنه، فخرج دم قد كان احتقن.
قال دريد: فأفقت عندها، فلما جاوزوني نهضت. قال: فما شعرت إلا و أنا عند عرقوب [٥] جمل امرأة من هوازن، فقالت: من أنت؟أعوذ باللّه من شرك!قلت:
لا، بل من انت؟ويلك!قالت: امرأة من هوازن سيارة. قلت: و أنا من هوازن، و أنا دريد بن الصمّة. قال: و كانت في قوم مجتازين لا يشعرون بالوقعة، فضمته و عالجته حتى أفاق.
فقال دريد يرثي عبد اللّه أخاه، و يذكر عصيانه له و عصيان قومه، بقوله:
أعاذل إنّ الرّزء في مثل خالد # و لا رزء فيما أهلك المرء عن يد [٦]
و قلت لعارض و أصحاب عارض # و رهط بني السّوداء و القوم شهدي [٧]
علانية ظنّوا بألفي مدجّج # سراتهم في الفارسيّ المسرّد [٨]
أمرتهم أمري بمنقطع اللّوى # فلم يستبينوا الرشد إلاّ ضحى الغد
فلما عصوني كنت منهم و قد أرى # غوايتهم أو أنّني غير مهتد
و ما أنا إلا من غزيّة إن غوت # غويت و إن ترشد غزية أرشد [٩]
فإن تعقب الأيام و الدهر تعلموا # بني غالب أنا غضاب لمعبد
تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا # فقلت أعبد اللّه ذلكم الرّدي
[١] ارتث: أي حمل جريحا ضعيفا و قد أثخنته الجراح
[٢] تبصّ: تبرق و تلمع
[٣] السّبة: الاست
[٤] ترمز: تضطرب
[٥] العرقوب من الدابة: ما يكون في رجلها بمنزلة الركبة في يدها
[٦] الرزء: المصيبة
[٧] بنو السوداء: أصحاب أخيه عبد اللّه. و شهدي: شهودي
[٨] ظنوا: أي أيقنوا. و الفارسي المسرّد: الدروع المتتابعة الحلق في نسجها
[٩] غزية: قبيلة من هوازن، و هم رهط دريد بن الصمة