العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠٠ - اختلاف الشعراء في المعنى الواحد
بقرطبة قلبي و جسمي ببلدة # نأيت بها عن أهل ودّي و معشري [١]
سقى اللّه من مزن السحائب ثرّة # دياركم اللاتي حوت كل جؤذر [٢]
بحق الهوى أقر السلام على التي # اهيم بها عشقا إلى يوم محشري
لئن غبت عنها فالهوى غير غائب # مقيم بقلب الهائم المنفطر
كأن لم أبت في ثوبها طول ليلة # إلى أن بدا وجه الصباح المنوّر
و عانقت غصنا فيه رمّان فضّة # و قبلت ثغرا ريقه ريق سكر
أ أنسى و لا أنسى عناقك خاليا # و ضمّي و نقلي نظم درّ و جوهر
فوا حزني أن فرّق الدهر بيننا # و كدّر وصلا منك غير مكدّر
لقد غرّرت نفسي بحبك ضلة # و لو علمت عقبى الهوى لم تغرّر [٣]
بكيت فما أغنى البكا عند صحبتي # و شوقي إلى رئم من الإنس أحور [٤]
سلام سلام ألف ألف يكرر # و يا حاملا عني الرسالة كرّر
ألا يا نسيم الريح بلّغ سلامنا # وصف كلّ ما يلقى الغريب و خبّر
و قل لشعاع الشمس بلّغ تحيتي # سميّك و اقرأها على آل جعفر
و قال أيضا:
أقر السلام على إلف كلفت به # قد رمت صبرا و طول الشوق لم يرم
ظبي تباعد عن قربي و عن نظري # فالنفس والهة من شدة الالم
كنا كروحين في جسم غذاؤهما # ماء المحبة من هام و منسجم
إلفين هذا بهذا مغرم كلف # لا واحد في الهوى منا بمتّهم [٥]
للّه تلك الليالي و السرور بها # كأنما أبصرتها العين في الحلم
ففرق الدهر شملا كان ملتئما # منا و جمّع شملا غير ملتئم
[١] نأيت: ابتعدت.
[٢] الثّرة: الصبّة. يقال ثرّت السحابة ماءها: أي صبته.
[٣] عقبى الهوى: عاقبته.
[٤] الرئم: الظبي الخالص البياض، أو ولد الظبي. و تشبه به الحسقاء.
[٥] الكلف: الصبّ.