العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٦ - يوم اللوى لغطفان على هوازن
إن كان ينفعك اليقين فسائلي # عن الظّعينة يوم وادي الأخرم [١]
إذ هي لأوّل من أتاها نهزة # لو لا طعان ربيعة بن مكدّم
إذ قال لي أدنى الفوارس منهم # خلّ الظّعينة طائعا لا تندم
فصرفت راحلة الظعينة نحوه # عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم
و هتكت بالرّمح الطويل إهابه # فهوى صريعا لليدين و للفم
و منحت آخر بعده جيّاشة # نجلاء فاغرة كشدق الأضجم [٢]
و لقد شفعتهما بآخر ثالث # و أبى الفرار عن العداة تكرّمي
ثم لم يلبث بنو كنانة[رهط ربيعة بن مكدّم]أن أغارت على بني جشم [رهط دريد]، فقتلوا[و أسروا و غنموا]، و أسروا دريد بن الصّمة، فأخفى نسبه، فبينما هو عندهم محبوس، إذ جاءت نسوة يتهادين [٣] إليه، فصاحت إحداهن فقالت:
هلكتم و أهلكتم، ما ذا جرّ علينا قومنا؟هذا و اللّه الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة!ثم ألقت عليه ثوبها، و قالت يا آل فراس أنا جارة له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادي!فسألوه: من هو؟فقال أنا دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟قالوا: ربيعة بن مكدم. قال: فما فعل؟قالوا: قتلته بنو سليم!قال: فا فعلت الظعينة؟قالت المرأة: أنا هي، و أنا امرأته!فحبسه القوم و آمروا أنفسهم، فقال بعضهم: لا ينبغي لدريد أن تكفر نعمته على صاحبنا!و قال الآخرون لا و اللّه لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره، فانبعثت المرأة في الليل-و هي ريطة بنت جزل الطعان -فقالت:
سنجزي دريدا عن ربيعة نعمة # و كلّ امرئ يجزى بما كان قدّما
فإن كان خيرا كان خيرا جزاؤه # و إن كان شرّا كان شرّا مذمّما
سنجزه نعمى لم تكن بصغيرة # بإهدائه الرّمح الطويل المقوّما [٤]
[١] الأخرم: جبل في طرف الدهناء
[٢] جياشة: أي تتدنق بالدم. و نجلاء: واسعة و الأضجم: الذي في فمه عوج و ميل
[٣] تهادى: تمايل في مشيه
[٤] المقوّم: الذي لا اعوجاج فيه