العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤٠ - باب من مقاطع الشعر و مخارجه
شرست بل لنت بل قابلت ذاك بذا # فأنت لا شك فيه السهل و الجبل
و قد يأتي من الشعر ما لا فائدة له و لا معنى، كقول القائل:
الليل ليل، و النهار نهار # و الأرض فيها الماء و الأشجار!
و قال الأعشى:
إن محلاّ و إن مرتحلا # و إن في السّفر إذ مضى مثلا [١]
و قال إبراهيم الشيباني الكاتب: قد تكون الكلمة إذا كانت مفردة حوشية بشعة، حتى إذا وضعت في موضعها و قرنت مع إخوتها حسنت؛ كقول الحسن بن هانئ:
ذو حصر أفلت من كرّ القبل
و الكرّ كلمة خسيسة، و لا سيما في الرقيق و الغزل و النسيب، غير أنها لما وضعت في موضعها حسنت.
و كذلك الكلمة الرقيقة العذبة ربما قبحت و نفرت إذا لم توضع في موضعها، مثل قول الشاعر:
رأت رائحا جونا فقامت غريرة # بمسحاتها جنح الظّلام تبادره [٢]
فأوقع الجافي الجلف هذه اللفظة غير موقعها، و بخسها حقّها حين جعلها في غير مكانها حقا؛ لأن المساحي لا تصلح الغرائر.
و اعلم أنه لا يصلح لك شيء من المنثور و المنظوم، إلا أن تجري منه على عرق و أن تتمسك منه بسبب، فأما إن كان غير مناسب لطبيعتك، و غير ملائم لقريحتك، فلا تنض [٣] مطيّتك في التماسه، و لا تتعب نفسك إلى انبعاثه، باستعارتك ألفاظ الناس و كلامهم، فإن ذلك غير مثمر لك و لا مجد عليك، ما لم تكن الصناعة ممازجة لذهنك، و ملتحمة بطبعك.
[١] المحل: المقيم.
[٢] الغريرة: الشابة لا تجربة لها.
[٣] نض: حرّك.