العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤١ - باب من مقاطع الشعر و مخارجه
و اعلم أن من كان مرجعه اغتصاب نظم من تقدمه، و استضاءته بكوكب من سبقه، و سحب ذيل حلة غيره، و لم تكن معه أداة تولّد له من بنات ذهنه، و نتائج فكره، الكلام الجزل و المعنى الحفل، لم يكن من الصناعة في عير و لا نفير [١] ، و لا ورد و لا صدر؛ على أن سماع كلام الفصحاء المطبوعين، و درس رسائل المتقدمين، هو على كل حال مما يفتق اللسان، و يقوي البيان، و يحد الذّهن، و يشحذ الطبع، إن كانت فيه بقية و هناك خبيّة.
و اعلم أن العلماء شبهت المعاني بالأرواح و الألفاظ بالأجساد و اللباب، فإذا كتب الكاتب البليغ المعنى الجزل، و كساه لفظا حسنا، و أعاره مخرجا سهلا، و منحه دلا مونقا-كان في القلب أحلى، و للصدر أملى؛ و لكنه بقي عليه أن يؤلفه مع شقائقه و قرائنه، و يجمع بينه و بين أشباهه و نظائره، و ينظمه في سلكه، كالجوهر المنثور:
الذي إذا تولى نظمه الناظم الحاذق، و تعاطى تأليفه الجوهريّ العالم، ظهر له بأحكام الصنعة و لطيف الحكمة حسنا هو فيه، و كساه و منحه بهجة هي له، و كذلك كلما احلولى الكلام و عذب وراق و سهلت مخارجه، كان أسهل ولوجا في الأسماع، و أشدّ اتصالا بالقلوب، و أخف على الأفواه؛ لا سيما إذا كان المعنى البديع مترجما بلفظ مونق شريف، لم يسمه التكلف بميسمه، و لم يفسده التعقيد باستهلاكه، كقول ابن أبي كريمة:
قفاه وجه، و الذي وجهه # مثل قفاه يشبه الشّمسا
فهجّن المعنى بتعقد مخارج الألفاظ؛ و أخذه الحسن بن هانئ فأوضحه و سهله قال:
بأبي أنت من غزال غرير # بزّ حسن الوجوه حسن قفاكا [٢]
[١] يقال لمن لا يصلح لمهمّ: «فلان لا في العير و لا في النفير» . فالعير: عير قريش التي أقبلت مع أبي سفيان من الشام. و النفير: من خرج مع عتبة بن ربيعة من مكة لاستنقاذها من أيدي المسلمين. فمن لم يكن في أحد الجمعين لم يعدّ في الرجال.
[٢] بزّه: فاقه، و سلبه و غلبه.