العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢ - يوم الهباءة لعبس على ذبيان
يوم الهباءة: لعبس على ذبيان
ثم اجتمعوا فالتقوا في يوم قائظ إلى جنب جفر الهباءة [١] ، و اقتتلوا من بكرة حتى انتصف النهار، و حجز الحرّ بينهم، و كان حذيفة بن بدر يحرق فخذيه الركض، فقال قيس بن زهير: يا بني عبس، إن حذيفة غدا إذا احتدمت الوديقة [٢] مستنقع في جفر الهباءة فعليكم بها. فخرجوا حتى وقعوا على أثر صارف، فرس حذيفة، و الحنفاء، فرس حمل بن بدر، فقال قيس بن زهير: هذا اثر الحنفاء و صارف، فقفوا أثرهما حتى توافوا مع الظهيرة على الهباءة. فبصر بهم حمل بن بدر، فقال لهم: من أبغض الناس إليكم أن يقف على رءوسكم؟قالوا: قيس بن زهير، و الربيع بن زياد، فقال:
هذا قيس بن زهير قد أتاكم فلم ينقض كلامه حتى وقف قيس و أصحابه على جعفر الهباءة، و قيس يقول: لبيكم لبيكم!يعني إجابة الصّبية الذين كانوا ينادونهم إذ يقتلون!و في حذيفة و حمل ابنا بدر و مالك بن بدر، و ورقاء بن خلال من بني ثعلبة ابن سعد، و حنس بن وهب، فوقف عليهم شدّدا بن معاوية العبسي، و هو فارس جروة، و جروة فرسه، و لها يقول:
و من يك سائلا عني فإني # و جروة كالشّجا تحت الوريد [٣]
أقوّتها بقوتي إن شتونا # و ألحفها ردائي في الجليد
فحال بينهم و بين خيليهم، ثم توافت فرسان بني عبس، فقال حمل: ناشدتك اللّه و الرحم يا قيس!فقال: لبيكم لبيكم!فعرف حذيفة أنه لن يدعهم، فانتهر حملا و قال: إياك و المأثور من الكلام!فذهبت مثلا، و قال لقيس: لئن قتلتني لا تصلح غطفان بعدها!فقال قيس: أبعدها اللّه و لا أصلحها!و جاءه قراوش بمعبلة [٤] فقصم صلبه، و ابتدره الحارث بن زهير و عمرو بن الأسلع، فضرباه بسيفهما حتى ذفّفا [٥]
[١] جفر الهباءة: مستنقع في بلاد غطفان
[٢] الوديقة: حرّ نصف النهار
[٣] الشجا: ما اعترض و نشب في الحلق من عظم أو نحوه
[٤] المعبلة: نصل طويل عريض
[٥] ذفّف عليه: أجهز عليه