العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧ - حرب داحس و الغبراء و هي من حروب قيس
و كان ليزيد ناقة محماة [١] ، في عنقها مدية و زنادة و صرّة ملح، و إنما كان يمتحن بها رعيته لينظر من يجترئ عليه، فوحمت امرأة الحارث فاشتهت شحما في وحمها، فانطلق الحارث إلى ناقة الملك فانتحرها، و أتاها بشحمها، و فقدت الناقة، فأرسل الملك إلى الحمس التغلبي و كان كاهنا، فسأله عن الناقة، فأخبره أن الحارث صاحبها، فهم الملك به، ثم تذمّم [٢] من ذلك، و أوجس الحارث في نفسه شرا فأتى الخمس التغلبي فقتله. فلما فعل ذلك دعا به الملك فأمر بقتله، فقال: أيها الملك إنك قد أجرتني فلا تغدرنّ بي!فقال الملك: لا ضير، إن غدرت بك مرة فقد غدرت بي مرارا!و أمر ابن الخمس فقتله، و أخذ ابن الخمس سيف الحارث فأتى به عكاظ في الاشهر الحرم، فأراه قيس بن زهير العبسي، فضربه قيس فقتله، و قال يرثي الحارث بن ظالم:
و ما قصرت من حاضن ستر بيتها # أبرّ و أوفى منك حار بن ظالم [٣]
اعزّ و أحمى عند جار و ذمّة # و أضرب في كاب من النّقع قاتم [٤]
حرب داحس و الغبراء: و هي من حروب قيس
قال ابو عبيدة: حرب داحس و الغبراء بين عبس و ذبيان ابني بغيض بن ريث بن غطفان، و كان السبب الذي هاجها أن قيس بن زهير، و حمل بن بدر، تراهنا على داحس و الغبراء أيهما يكون له السبق، و كان داحس فحلا لقيس بن زهير، و الغبراء حجرا [٥] لحمل بن بدر، و تواضعا الرهان على مائة بعير، و جعلا منتهى الغاية مائة غلوة [٦] ، و الإضمار [٧] أربعين ليلة، ثم قادوهما إلى رأس الميدان بعد أن أضمروهما
[١] محماة: محمية
[٢] تزمم: استنكف
[٣] قصرت الستر: أرخته
[٤] النقع: الغبار الساطع
[٥] الحجر: الفرس
[٦] الغلوة: مقدار رمية بسهم.
[٧] الاضمار: أن تشد على الخيل سروجها و تجعل بالأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها و يشتد لحمها و يحمل عليها غلمان خفاف، يجرونها و لا يعنقون بها، فاذا فعل ذلك أمن عليها البهر الشديد عند حضرها و لم يقطعها الشدّ.