العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٧ - عمر و النجاشي و رهط ابن مقبل
الزبرقان: و اللّه يا أمير المؤمنين، ما هجيت ببيت قط أشدّ عليّ منه!فبعث إلى حسان ابن ثابت و قال: انظر إن كان هجاه. فقال: ما هجاه، و لكن سلح عليه!-و لم يكن عمر يجهل موضع الهجاء في هذا البيت، و لكنه كره أن يتعرّض لشأنه، فبعث إلى شاعر مثله-و أمر بالحطيئة إلى الحبس، و قال: يا خبيث، لأشغلنّك عن أعراض المسلمين. فكتب إليه من الحبس يقول:
ما ذا تقول لأفراخ بذي مرخ # زغب الحواصل لا ماء و لا شجر [١]
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة # فاغفر عليك سلام اللّه يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه # ألقت إليك مقاليد النّهى البشر
ما آثروك بها إذ قدّموك لها # لكن لأنفسهم قد كانت الإثر [٢]
فأمر بإطلاقه و أخذ عليه ألاّ يهجو رجلا مسلما.
عمر و النجاشي و رهط ابن مقبل:
و لما هجا النجاشيّ رهط تميم بن مقبل، استعدوا عليه عمر بن الخطاب، و قالوا: يا أمير المؤمنين، إنه هجانا!قال: و ما قال فيكم؟قالوا: قال:
إذا اللّه عادى أهل لؤم ورقة # فعادى بني عجلان رهط ابن مقبل
قال عمر: هذا رجل دعا، فإن كان مظلوما استجيب له، و إن لم يكن مظلوما لم يستجب له.
قالوا: فإنه قد قال بعد هذا:
قبيلته لا يخفرون بذمّة # و لا يظلمون الناس حبّة خردل [٣]
قال عمر: ليت آل الخطاب مثل هؤلاء. قالوا: فإنه يقول بعد هذا:
[١] ذو مرخ: واد بين فدك و الوابشية.
[٢] الإثر: الخيرة و الاستئثار.
[٣] حبة الخردل: يضرب بها المثل في الصغر، و الخردل: نبات عشبي تستعمل بزوره في الطب.