العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٨ - باب في رواة الشعر
أوتاد؟ [١] قلت: من قائله أصلح اللّه الأمير؟قال: لا أدري. قلت: فمن شعراء الجاهلية أم شعراء الإسلام؟قال: لا أدري. قال: فأطرقت حينا أفكّر فيه، حتى بدر إلى وهمي شعر الأفوه الازدي حيث يقول:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم # و لا سراة إذا جهّالهم سادوا [٢]
و البيت لا يبتنى إلا له عمد # و لا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمّع أوتاد و أعمدة # يوما فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
فقلت: هو قول الأفوه الأزدي أصلح اللّه الأمير، و أنشدته الأبيات، فقال:
صدقت، انصرف إذا شئت!فقمت، فلما خطوت الباب لحقني أعوان له و معهم بدرة، [٣] فصحبوني إلى الباب، فلما أردت أن أقبضها منهم، قالوا: لا بد من إدخالها إلى موضع منامك!فدخلوا معي، فعرضت أن أعطيهم منها شيئا، فقالوا: لا تقدم على الأمير.
الأصمعي قال: أقبل فتيان إلى أبي ضمضم بعد العشاء، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نتحدث إليك. قال: كذبتم يا خبثاء!و لكن قلتم: كبر الشيخ فهلم بنا عسى أن نأخذ عليه سقطة [٤] !قال: فأنشدهم لمائة شاعر كلهم اسمه عمرو. قال الأصمعي: تحدثت أنا و خلف الأحمر فلم نزد على أكثر من ثلاثين.
و قال الشعبي: لست لشيء من العلوم أقل رواية من الشعر، و لو شئت لأنشدت شهرا و لا أعيد بيتا! و كان الخليل بن أحمد أروى [٥] الناس للشعر و لا يقول بيتا.
[١] يريد فيه لفظة «أوتاد» .
[٢] السّراة: جمع سري: و هو الشريف.
[٣] البدرة: كيس فيه مبلغ من المال يعطى كجائزة.
[٤] سقطة: زلّة.
[٥] الأروى: الأكثر رواية.