موسوعة ميزان الحکمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٧٣
١٤٢٩.الإمام عليّ عليه السلام : وَالتَّحاضِّ عَلَيها ، وَالتَّواصي بِها . وَاجتَنِبوا كُلَّ أمرٍ كَسَرَ فِقرَتَهُم ، وأوهَنَ مُنَّتَهُم ؛ مِن تَضاغُنِ [١] القُلوبِ ، وتَشاحُنِ الصُّدورِ ، وتَدابُرِ النُّفوسِ ، وتَخاذُلِ الأيدي . وتَدَبَّروا أحوالَ الماضينَ مِنَ المُؤمِنينَ قَبلَكُم ، كَيفَ كانوا في حالِ التَّمحيصِ وَالبَلاءِ . ألَم يَكونوا أثقَلَ الخَلائِقِ أعباءً ، وأجهَدَ العِبادِ بَلاءً ، وأضيَقَ أهلِ الدُّنيا حالاً! اِتَّخَذَتهُمُ الفَراعِنَةُ عَبيدا ، فَساموهُم سوءَ العَذابِ ، وجَرَّعوهُمُ المُرارَ ، فَلَم تَبرَحِ الحالُ بِهِم في ذُلِّ الهَلَكَةِ وقَهرِ الغَلَبَةِ ، لا يَجِدونَ حيلَةً فِي امتِناعٍ ، ولا سَبيلاً إلى دِفاعٍ . حَتّى إذا رَأَى اللّه ُ سُبحانَهُ جِدَّ الصَّبرِ مِنهُم عَلَى الأَذى في مَحَبَّتِهِ ، وَالاِحتِمالِ لِلمَكروهِ مِن خَوفِهِ ، جَعَلَ لَهُم مِن مَضايِقِ البَلاءِ فَرَجا ، فَأَبدَلَهُمُ العِزَّ مَكانَ الذُّلِّ ، وَالأَمنَ مَكانَ الخَوفِ ، فَصاروا مُلوكا حُكّاما ، وأئِمَّةً أعلاما ، وقَد بَلَغَتِ الكَرامَةُ مِنَ اللّه ِ لَهُم ما لَم تَذهَبِ الآمالُ إلَيهِ بِهِم . فَانظُروا كَيفَ كانوا حَيثُ كانَتِ الأَملاءُ [٢] مُجتَمِعَةً ، وَالأَهواءُ مُؤتَلِفَةً (مُتَّفِقَةً) ، وَالقُلوبُ مُعتَدِلَةً ، وَالأَيدي مُتَرادِفَةً ، وَالسُّيوفُ مُتَناصِرَةً ، وَالبَصائِرُ نافِذَةً ، وَالعَزائِمُ واحِدَةً . ألَم يَكونوا أربابا في أقطارِ الأَرَضينَ ، ومُلوكا عَلى رِقابِ العالَمينَ ؟ ! فَانظُروا إلى ما صاروا إلَيهِ في آخِرِ اُمورِهِم ، حينَ وَقَعَتِ الفُرقَةُ ، وتَشَ الاُلفَةُ ، وَاختَلَفَتِ الكَلِمَةُ وَالأَفئِدَةُ ، وتَشَعَّبوا مُختَلِفينَ ، وتَفَرَّقوا مُتَحارِبينَ (مُتَحازِبينَ) ، قَد خَلَعَ اللّه ُ عَنهُم لِباسَ كَرامَتِهِ ، وسَلَبَهُم غَضارَةَ [٣] نِعمَتِهِ ، وبَقِيَ قَصَصُ أخبارِهِم فيكُم عِبَرا للمُعتَبِرينَ .
[١] الضِّغْنُ : الحِقْدُ والعداوة والبغضاء (النهاية : ج ٣ ص ٩١ «ضغن»).[٢] المَلأُ : أشراف الناس ورؤساؤهم ومتقدّموهم الذين يرجع إلى قولهم ، وجمعه أملاء (النهاية : ج ٤ ص ٣٥١ «ملأ»).[٣] الغضارة : طيب العيش (الصحاح : ج ٢ ص ٧٧٠ «غضر»).