موسوعة ميزان الحکمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤١٢
١٦٦٧.الإمام عليّ عليه السلام ـ في خُطبَةٍ لَهُ ـ ويَرقَعُ بِيَدِهِ ثَوبَهُ ، ويَركَبُ الحِمارَ العارِيَ ويُردِفُ خَلفَهُ ، ويَكونُ السِّترُ عَلى بابِ بَيتِهِ فَتَكونُ فيهِ التَّصاويرُ فَيَقولُ : يا فُلانَةُ ـ لاِءِحدى أزواجِهِ ـ غَيِّبيهِ عَنّي ؛ فَإِنّي إذا نَظَرتُ إلَيهِ ذَكَرتُ الدُّنيا وزَخارِفَها . فَأَعرَضَ عَنِ الدُّنيا بِقَلبِهِ ، وأماتَ ذِكرَها مِن نَفسِهِ ، وأحَبَّ أن تَغيبَ زَينَتُها عَن عَينِهِ ، لِكَيلا يَتَّخِذَ مِنها رِياشا [١] ، ولا يَعتَقِدُها قَرارا ، ولا يَرجو فيها مُقاما ، فَأَخرَجَها مِنَ النَّفس ، وأشخَصَها عَنِ القَلبِ ، وغَيَّبَها عَنِ البَصَرِ ، وكَذلِكَ مَن أبغَضَ شَيئا أبغَضَ أن يَنظُرَ إلَيهِ ، وأن يُذكَرَ عِندَهُ . ولَقَد كانَ في رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آله ما يَدُلُّكَ عَلى مَساوِئِ الدُّنيا وعُيوبِها ؛ إذ جاعَ فيها مَعَ خاصَّتِهِ [٢] ، وزُوِيَت عَنهُ زَخارِفُها مَعَ عَظيمِ زُلفَتِهِ . فَليَنظُر ناظِرٌ بِعَقلِهِ : أكرَمَ اللّه ُ مُحَمَّدا بِذلِكَ أم أهانَهُ؟ فَإِن قالَ : أهانَهُ ، فَقَد كَذَبَ ـ وَاللّه ِ العَظيمِ ـ بِالإِفكِ العَظيمِ ، وإن قالَ : أكرَمَهُ ، فَليَعلَم أنَّ اللّه َ قَد أهانَ غَيرَهُ حَيثُ بَسَطَ الدُّنيا لَهُ ، وزَواها عَن أقرَبِ النّاسِ مِنهُ . فَتَأَسّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ ، وَاقتَصَّ أثَرَهُ ، ووَلَجَ مَولِجَهُ ، وإلاّ فَلا يَأمَنِ الهَلَكَةَ ، فَإِنَّ اللّه َ جَعَلَ مُحَمَّدا صلى الله عليه و آله عَلَما لِلسّاعَةِ ، ومُبَشِّرا بِالجَنَّةِ ، ومُنذِرا بِالعُقوبَةِ . خَرَجَ مِنَ الدُّنيا خَميصا ، ووَرَدَ الآخِرَةَ سَليما . لَم يَضَع حَجَرا عَلى حَجَرٍ حَتّى مَضى لِسَبيلِهِ وأجابَ داعِيَ رَبِّهِ . فَما أعظَمَ مِنَّةَ اللّه ِ عِندَنا حينَ أنعَمَ عَلَينا بِهِ سَلَفا نَتَّبِعُهُ ، وقائِدا نَطَأُ عَقِبَهُ . وَاللّه ِ لَقَد رَقَعتُ مِدرَعَتي [٣] هذِهِ حَتَّى استَحيَيتُ مِن راقِعِها . ولَقَد قالَ لي قائِلٌ :
[١] الرِّيشُ والرِّياشُ بمعنىً؛ وهو اللباس الفاخِر . ويقال : المال والخِصْب والمعاش (الصحاح : ج ٣ ص ١٠٠٨ «ريش») .[٢] خاصّته : اسم فاعل في معنى المصدر ، أي مع خصوصيّته وتفضّله عند ربّه (تعليقة صبحي الصالح على نهج البلاغة) .[٣] المِدْرَعَة : ثَوبٌ ، ولا يكون إلاّ من صوف (القاموس المحيط : ج ٣ ص ٢٠ «درع») .