موسوعة ميزان الحکمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤١١
١٦٦٧.الإمام عليّ عليه السلام ـ في خُطبَةٍ لَهُ ـ وإن شِئتَ ثَلَّثتُ بِداودَ صلى الله عليه و سلم صاحِبِ المَزاميرِ وقارِئِ أهلِ الجَنَّةِ ، فَلَقَد كانَ يَعمَلُ سَفائِفَ الخوصِ [١] بِيَدِهِ ، ويَقولُ لِجُلَسائِهِ : أيُّكُم يَكفيني بَيعَها! ويَأكُلُ قُرصَ الشَّعيرِ مِن ثَمَنِها . وإن شِئتَ قُلتُ في عيسىَ بنِ مَريَمَ عليه السلام ، فَلَقَد كانَ يَتَوَسَّدُ الحَجَرَ ، ويَلبَسُ الخَشِنَ ، ويَأكُلُ الجَشِبَ [٢] . وكانَ إدامُهُ الجوعَ ، وسِراجُهُ بِاللَّيلِ القَمَرَ ، وظِلالُهُ فِي الشِّتاءِ مَشارِقَ الأَرضِ ومَغارِبَها ، وفاكِهَتُهُ ورَيحانُهُ ما تُنبِتُ الأَرضُ لِلبَهائِمِ . ولَم تَكُن لَهُ زَوجَةٌ تَفتِنُهُ ، ولا وَلَدٌ يَحزُنُهُ ، ولا مالٌ يَلفِتُهُ ، ولا طَمَعٌ يُذِلُّهُ . دابَّتُهُ رِجلاهُ ، وخادِمُهُ يَداهُ! فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الأَطيَبِ الأَطهَرِ صلى الله عليه و آله ، فَإِنَّ فيهِ اُسوَةً لِمَن تَأَسّى ، وعَزاءً لِمَن تَعَزّى ، وأحَبُّ العِبادِ إلَى اللّه ِ المُتَأَسّي بِنَبِيِّهِ ، وَالمُقتَصُّ لِأَثَرِهِ . قَضَمَ الدُّنيا قَضما [٣] ، ولَم يُعِرها طَرفا . أهضَمُ أهلِ الدُّنيا كَشحا [٤] ، وأخمَصُهُم مِنَ الدُّنيا بَطنا . عُرِضَت عَلَيهِ الدُّنيا فَأَبى أن يَقبَلَها ، وعَلِمَ أنَّ اللّه َ سُبحانَهُ أبغَضَ شَيئا فَأَبغَضَهُ ، وحَقَّرَ شَيئا فَحَقَّرَهُ ، وصَغَّرَ شَيئا فَصَغَّرَهُ . ولَو لَم يَكُن فينا إلاَّ حُبُّنا ما أبغَضَ اللّه ُ ورَسولُهُ ، وتَعظيمُنا ما صَغَّرَ اللّه ُ ورَسولُهُ ، لَكَفى بِهِ شِقاقا للّه ِِ ، ومُحادَّةً [٥] عَن أمرِ اللّه ِ . ولَقَد كانَ صلى الله عليه و آله يَأكُلُ عَلَى الأَرضِ ، ويَجلِسُ جِلسَةَ العَبدِ ، ويَخصِفُ بِيَدِهِ نَعلَهُ ،
[١] سَفَّ الخوصَ : نَسَجَه (القاموس المحيط : ج ٣ ص ١٥٢ «سفيف») .[٢] الجَشِب : هو الغليظ الخشن من الطعام. وقيل : غير المأدوم. وكلّ بشع الطعم جَشْب (النهاية : ج ١ ص ٢٧٢ «جشب»).[٣] قَضَم الدنيا : تناول منها قدْر الكفاف وما تدعو إليه الضرورة من خشِن العيشة ... وأصل القَضم : أكل الشيء اليابس بأطراف الأسنان (شرح نهج البلاغة : ج ٩ ص ٢٣٣) .[٤] الكَشْح : الخاصِرة . ورجُلٌ أهضَم بَيِّن الهَضم : إذا كان خميصا لقلّة الأكل (شرح نهج البلاغة : ج ٩ ص ٢٣٤) .[٥] المُحادَّة : المعاداة والمخالفة (لسان العرب : ج ٣ ص ١٤٠ «حدد») .