المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣١٣ - دَرَأ
«يونس: ١٦ » من قولهم : دريْت ، ولو كان من درأت لقيل : ولا أدرأتكموه .
وكل موضع ذكر فيه : وَما يُدْرِيكَ لم يعقبه بذلك ، نحو : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى «عبس: ٣٠ » وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ «الشوری: ١٧ » .
والدِّراية : لا تستعمل في الله تعالى ، وقول الشاعر :
لَاهُمَّ لَا أَدْرِي وَأَنْتَ الدَّارِي فمن تعجرف أجلاف العرب
. ملاحظات .
١ . قال الراغب : « الدِّراية : المعرفة المدركة بضرب من الحيل » فأدخل معنى الحيلة في الدراية لأنه تصور أنها مأخوذة من دارَى ، ودَارَاه تأتي بمعنى خاتله . وهو تصورٌ خاطیء ، فلا درى من دارى ، ولا داراه بمعنى خاتله بل داراه بمعنى جاراه وجامله ولاينه وتألفه ، ومنه الحديث النبوي : مداراة الناس نصف العقل . ومنه حكم المؤلفة قلوبهم ، فهل يأمر الله ورسوله بالحيلة والمخاتلة !
قال الإمام الصادق× في معنی الدرایة: « عليكم بالدرايات لا بالروايات . خبر تدريه خير من ألف ترويه » .
« مستطرفات السرائر/٢٦٦ » .
كما أن قوله إن الله تعالى ذكر جواب أدراك ولم يذكر جواب يدريك ، فهو غير دقيق . وقد نقضه بآية أدراكم به ، فليس فيها جواب !
٢ . وقد رتَّب الراغب على تكلفه بأن درى فيها نوع من الحيلة ، أنه لايجوز وصف الله تعالى بالدراية ، لأنه منزه عن الحيلة ، ثم تهجم على العجاج الشاعر ، ولم يسمه لأنه قال : لاهُمَّ لا أَدْرِي وأَنْتَ الداري
كلُّ امْرئٍ مِنْكَ على مِقْدارِ
فقال عنه : « وقول الشاعر فمن تعجرف أجلاف العرب » .
والجلافة : الغلظة والجفاء في الخَلْق والخُلق . والعجرفة : الحَمَق والتسرع وقلة المبالاة !
وكان الواجب علی الراغب لما رأى العجاج أمير الرجز العربي قد استعملها لله تعالى ، أن يرجع عن تخيله أنها تتضمن معنى الحيلة ، ويصحح علمه ، لکنه بدل ذلك شتم العجاج ! راجع: ابن منظور: ١٢/٥٥٥ ، و: ١/٧١ ،
و: ٩ /١١ ، والخليل: ٨/٥٨ ، والجوهري: ٦/٢٣٣٤ ، وابن فارس: ٢/٢٧١ ، والمصون في الأدب للعسكري /١٣٨ ، ومعجم المناهي اللفظية لأبي زيد: ١/٧٨ ، والمخصص: ٣ق٣ /١٥٨ .
دَرَأ
الدَّرْءُ : الميل إلى أحد الجانبين ، يقال : قَوَّمت دَرْأَهُ . ودَرَأْتُ عنه : دفعت عن جانبه . وفلان ذو تَدَرُّؤٍ ، أي قويٌّ على دفع أعدائه .
ودَارَأْتُهُ : دافعته . قال تعالى : وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
«الرعد: ٢٢ » وقال : وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ «النور: ٨ ».
وفي الحديث : إدْرَءُوا الحدود بالشبهات ، تنبيهاً على تطلُّب حيلة يدفع بها الحد ، قال تعالى : قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ «آل عمران: ١٦٨ » وقوله : فَادَّارَأْتُمْ فِيها «البقرة: ٧٢ » هو تفاعلتم ، أصله : تَدَارَأْتُم ، فأريد منه الإدغام تخفيفاً وأبدل من التاء دال فسُكِّن للإدغام ، فاجتلب لها ألف الوصل فحصل على افَّاعلتم .
قال بعض الأدباء : ادَّارأتم افتعلتم ، وغُلِّطَ من أوجه : أولاً ، أن ادَّارأتم على ثمانية أحرف ، وافتعلتم على سبعة أحرف . والثاني : أن الذي يلي ألف الوصل تاء ، فجعلها دالاً . والثالث : أن الذي يلي الثاني دال فجعلها تاء . والرابع : أن الفعل الصحيح العين لا يكون ما بعد تاء الإفتعال منه إلا متحركاً ، وقد جعله هاهنا ساكناً . الخامس : أن هاهنا قد دخل بين التاء والدال زائد ، وفي افتعلت لا يدخل ذلك .