المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٠٠ - جَبَيَ
تعريضاً منهم بأنك تخترع هذه الآيات وليست من الله .
واجتباء الله العبد : تخصيصه إياه بفيض إلهيٍّ يتحصل له منه أنواع من النعم بلا سعي من العبد ، وذلك للأنبياء وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء ، كما قال تعالى : وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ «يوسف: ٦ » فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ «القلم: ٥٠ »
. ملاحظات .
١ . جعل الراغب الإجتباء بمعنى الإصطفاء ، ونُقل ذلك عن اللغوي ابن الأعرابي ، قال : «اقترحْتُه ، واجتَبيْته ، وخَوَّصته ، وخدَّمْته ، واخْتَلَمْته ، واستَخْلَصْته واسْتَمَيْتُه ،
كلُّه بمعنَى اخترْته » . «تاج العروس: ٤/١٧١ » .
وهذا تبسيط ، لعدم الإنتباه الى استعمالات اصطفى واجتبى ، لازمين ومتعديين ، بحروف متعددة . تقول اصطفاه واجتباه ، مجرداً ، وتقول اصطفاه من كذا ، أو اصطفاه على كذا، أو اصطفاه لنفسه أو لغيره . ونحوه اجتبى .
هذا في الفعل البشري ، أما الفعل الإلهي فهو أكثر تفصيلاً ، وفي القرآن تصديق ما قلناه : فقد يكون الإصطفــــاء مجرداً : وَسَلامٌ عَلَى عِبَـــــادِهِ الَّذِينَ اصْطَـــــفَى . واصطفاءً من أجل أحد : اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ .
واصطفاءً من أحد : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ . أو اصطفاءً على أحد : اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ .
أو اصطفاءً على العالمين : إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ .
أو اصطفاء بالرســالة والتكليم : اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِى وَبِكَلامِى .
وقد يكون اصطفاء لأنبياء : وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِى وَالأَبْصَـارِ . . وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ .
أواصطفاء لجماعة كبيرة فيهم الظالم لنفسه : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ .
أو اصطفاء بدرجة ، ثم بدرجة أعلى : اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ . أو اصطفاء في الدنيا غير شامل للآخرة : وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا .
كما أن الإجتباء قد يكون اجتباء النخبة من النخبة : كقوله تعالى : وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِى مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ .
وقال تعالى في اجتباء الأئمة من عترة النبي وذرية إسمــــاعيــل: : وَجَــاهِدُوا فِي اللهِ حق جِهَــــادِهِ هُــــــوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيݡكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْــلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ .
وقد يكون واسعاً : أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا .
وقــــال تعــــالى : وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَإِسْمَــــاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ . وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .
وقد يكون إجتباءً مطلقاً ، أو اجتباءً اليه : اللهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ .
وقد يكون إجتباءً بعد ذنب ، قال تعالى : وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى . ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى . وقال في يونس× : لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَــــرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ . فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ .
والإجتباء كالإصطفاء يرتبط بسلوك المجتبى ونجاحه في الإمتحان : وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ .