المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٩٦ - جَبَرَ
بالجبت والطاغوت جنس من كان يُعبد من دون الله ، سواء كان صنماً ، أو شيطاناً ، جنياً ، أو آدمياً » .
جَبَرَ
أصل الجَبْر : إصلاح الشئ بضرب من القهر يقال : جَبَرْتُهُ فَانْجَبَرَ واجْتَبَرَ ، وقد قيل : جَبَرْتُهُ فَجَبَرَ كقول الشاعر :
قد جَبَرَ الدينَ الإلهُ فجَبَرْ
هذا قول أكثر أهل اللغة . وقال بعضهم : ليس قوله فجبر ، مذكوراً على سبيل الإنفعال ، بل ذلك على سبيل الفعل ، وكرره ، ونبَّه بالأول على الإبتداء بإصلاحه وبالثاني على تتميمه ، فكأنه قال : قصد جَبْرَ الدين ، وابتدأ به فتمم جبْره ، وذلك أنَّ فَعَلَ تارة يقال لمن ابتدأ بفعل وتارة لمن فرغ منه .
وتَجَبَّرَ بعد الأكل : يقال إما لتصور معنى الإجتهاد والمبالغة ، أو لمعنى التكلف ، كقول الشاعر :
تجبَّرَ بعدَ الأكْلِ فَهْوَ نَمِيصُ
وقد يقال الْجَبْرُ تارة في الإصلاح المجرد ، نحو قول علي٢ : يا جَابِر كل كسير ، ويا مسهل كل عسير . ومنه قولهم للخبز : جَابِر بن حبَّة . وتارة في القهر المجرد نحو قوله× : لا جَبْر ولا تفويض .
والجَبْر في الحساب : إلحاق شئ به إصلاحاً لما يريد إصلاحه ، وسمي السلطان جَبْراً كقول الشاعر :
وأنعم صباحاً أيها الجبر
لقهره الناس على ما يريده ، أو لإصلاح أمورهم .
والإجبار في الأصل : حمل الغير على أن يجبر الآخر ، لكن تُعورف في الإكراه المجرَّد ، فقيل : أَجْبَرْتُهُ على كذا ، كقولك : أكرهته . وسمي الذين يَدَّعون أن الله تعالى يكره العباد على المعاصي في تعارف المتكلمين مُجَبِّرَة ، وفي قول المتقدمين جَبْرِيَّة وجَبَرِيَّة .
والجبَّار : في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم ، كقوله عز وجل : وَخابَ كل جَبَّارٍ عَنِيدٍ «إبراهيم: ١٥ » وقوله تعالى : وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا «مريم: ٣٢ » .
وقوله عز وجل : إن فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ «المائدة: ٢٢ » وقوله عــزوجل : كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كل قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ «غافر: ٣٥ » أي متعالٍ عن قبول الحق والإيمان له . يقال للقاهر غيره : جَبَّار ، نحو : وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ «ق: ٤٥ » .
ولتصور القهر بالعلو على الأقران قيل : نخلة جبَّارة وناقة جبَّار . وما روي في الخبر : ضرس الكافر في النار مثل أحد ، وكثافة جلده أربعون ذراعاً بذراع الجبار فقد قال ابن قتيبة : هو الذراع المنسوب إلى الملك الذي يقال له : ذراع الشاهْ . فأما في وصفه تعالى نحو : الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ «الحشر: ٢٣ » فقد قيــل : سمي بذلك من قولهـم : جَبَرْتُ الفقير ، لأنه هو الذي يجبر الناس بفائض نعمه ، وقيل لأنه يجبر الناس ، أي يقهرهم على ما يريده .
ودفع بعض أهل اللغة ذلك من حيث اللفظ فقال : لايقال من أفعلتُ : فعَّال ، فجبَّار لا يبنى من : أجبرت . فأجيب عنه بأن ذلك من لفظ الجبر المروي في قوله : لا جَبْرَ ولا تفويض ، لا من لفظ الإجبار .
وأنكر جماعة من المعتزلة ذلك من حيث المعنى فقالوا : يتعالى الله عن ذلك . وليس ذلك بمنكر فإن الله تعالى قد أجبر الناس على أشياء لا انفكاك لهم منها حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية ، لا على ما تتوهمه الغواة والجهلة ، وذلك كإكراههم على المرض والموت والبعث ، وسخَّر كلاً منهم لصناعة يتعاطاها ، وطريقة من الأخلاق والأعمال يتحراها ، وجعله مجبراً في صورة مُخيَّر ، فإما راضٍ بصنعته لا يريد عنها حولاً ، وإما كارهٌ لها يكابدها مع كراهيته