المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٩٧ - خَلَقَ
فَلَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ
وبعضُ القومِ يخلقُ ثم لا يفري
والثاني : في الكذب نحو قوله : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً «العنكبوت: ١٧ » .
إن قيل : قولــه تعـــالى : فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
«المؤمنون: ١٤ » يدل على أنه يصح أن يوصف غيره بالخلق . قيل : إن ذلك معناه : أحسن المقدرين ، أو يكون على تقدير ماكانوا يعتقدون ويزعمون أن غير الله يبدع فكأنه قيل : فأحسب أن هاهنا مبدعين وموجدين ، فالله أحسنهم إيجاداً على ما يعتقدون ، كما قال : خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ «الرعد: ١٦ » . وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله «النساء: ١١٩ » فقد قيل : إشارة إلى ما يشوهونه من الخلقة بالخصاء ونتف اللحية وما يجري مجراه . وقيل معناه : يغيرون حكمه . وقولـــه : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله «الروم: ٣٠ » فإشارة إلى ما قدره
وقضاه ، وقيل معنى : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله : نهيٌ ، أي لا تغيروا خلقة الله .
وقوله : وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ «الشعراء: ١٦٦ » فكنايةٌ عن فروج النساء .
وكل موضع استُعمل الخلق في وصف الكلام فالمراد به الكذب . ومن هذا الوجه امتنع كثير من الناس من إطلاق لفظ الخَلْق على القرآن . وعلى هذا قوله تعالى : إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الأولينَ «الشعراء: ١٣٧ » وقوله : ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هــــذا إِلَّا اخْتِلاقٌ . «ص: ٧ » .
والخَلْق : يقال في معنى المخلوق .
والخَلْقُ والخُلْقُ : في الأصل واحد ، كالشِّـرْب والشُّرْب والصَّرم والصُّرم ، لكن خُصَّ الخَلْق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر ، وخُصَّ الخُلُق بالقوى والسجايا
المدركة بالبصيرة . قال تعالى : وَإنكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
«القلم: ٤ » وقرئ : إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الأولينَ .
والْخَلَاقُ : ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه ، قال تعالى : ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ «البقــرة: ١٠٢ » وفلان خليق بكذا ، أي كأنه مخلوق فيه ، وذلك كقولك : مجبولٌ على كذا ، أو مدعو إليه من جهة الخلق .
وخَلِقَ الثوبُ وأَخْلَقَ ، وثوب خَلِقٌ ومُخْلَق وأخلاق : نحو حَبْلٌ أرمامٌ وأرْمَات . وتُصُوِّرَ من خَلُوقَة الثوب الملامسة فقيل : جبل أَخْلَق ، وصخرة خَلْقَاء .
وخَلَقْتُ الثوب : ملسته . واخلولق السحاب منه ، أو من قولهم هو خليق بكذا . والخَلُوق : ضرب من الطيب .
. ملاحظات .
١ . المعنى المتبادر من الخَلْق : الإيجاد من عدم ، أو إبداع الشئ من غير أصل ولا احتذاء . وهذا مختصٌّ بالله تعالى ، ويوصف به من يعطيه الله القدرة عليه .
فالخالق بالذات هو الله سبحانه وكل ما سواه مخلوق حتى القرآن . وقد وقع الحشوية المجسمة في شبهة أن الكلام جزء من المتكلم ، فكلام الله تعالى جزء منه فهو غير مخلوق ، فجعلوه سبحانه وجوداً مركباً مثلنا ووقعوا في التجسيم ، و الله تعالى يقول : مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . «الأنبياء: ٢ » .
ومثلها شبهة أن الكلام المخلوق يعني المكذوب ، فلا يصح أن يوصف به كلام الله تعالى !
قال الراغب : «كل موضع استُعمل الخلق في وصف الكلام فالمراد به الكذب » . وهذا خطأ ، لأن المختلق بمعنى المكذوب وهو غير المخلوق المبدَع من الله تعالى .
٢ . قال الله تعالى : فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ . وتخبط المفسرون في تفسيرها ، لأنها تشير الى وصف غير الله عز وجل بأنه خالق . وفسرها الراغب بغير ظاهرها ، والصحيح تفسيرها بأن معنى الخالقين في الآية ليس