المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٠٩ - جَرَى
١ . جعل أكثر اللغويين مادة جَرَمَ أصلاً واحداً بمعنى قَطَعَ ، إلا الجوهري فجعلها عدة أصول وهو الصحيح ، لأنه لايمكن إرجاع جريمة المجرم الى القطع ، ولا إرجاع الجِرم بمعنى الجسم الى القطع . . قال «٥/١٨٨٥ » : «الجُرْم : الذنب ، والجريمة مثله . والجَرْم : القطع . وقد جَرَمَ النخل واجترمه أي صرمه فهو جارم . وجَرمْتُ صوف الشاة ، أي جززته ، مثل جَلَمْتُ . والجِرم بالكسر الجسد . والجِرم اللون . والجِرم الصوت . وفلان جريمة أهله ، أي كاسبهم .
٢ . استعمل القرآن مادة جَرَمَ أكثر من خمسين مرة ، منها ٣٤ مرة في المجرمين ، أي العصاة أهل المخالفات الكبيرة . والجريمة في اللغة الفارسية خفيفة بخلاف العربية ، فلو قلت لفارسي عملك جريمة وأنت مُجرم ، فمعناه ارتكبت مخالفة بسيطة . لذلك خفف اللغويون وأكثرهم فرس ، من معنى الجريمة ، وجعلوها جَزَّ الزرع !
٣ . استعمل القرآن تعبير لايجرمنكم ، ثلاث مرات ، بمعنى لايوقعكم الأمر الفلاني في الجُرْم والذنب ، كقوله تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا .
واستعمل لا جَرَمَ خمس مرات ، بمعنى لاعجبَ ولا جُرْمَ في هذا الأمر بل يستحقه أهله ، كقوله تعالى : لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ . لاجَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ . لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ .
لاجَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَـــــا يُسِرُّونَ . وأكثر اللغــــــويون في تفسيره ، وفسره الراغب : لا كسب ولا جناية في كذا .
وقال الجوهري «٥/١٨٨٦ »: « هي كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة ، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم ، وصارت بمنزلة حقاً فلذلك يجاب عنه باللام ، كما يجاب بها عن القسم . ألا تراهم يقولون : لا جرم لآتينك » .
وفي المخصص «٤/١١٧ » : «وأما لا جرم أن لهم النار ، فإن الخليل وسيبويه ومن تبعهما من البصريين يجعلون جَرَم فعلاً ماضياً ويجعلون لا داخلة عليها . قال سيبويه : حقٌّ أن لهم النار . وقال غيره : جَرَم بمعنى كسب . وأما الفراء وأصحابه فذهبوا إلى أن جَرَم إسم منصوب بلا ، على التبرئة » . أي على النفي .
جَرَى
الجَرْي : المـَـرُّ السريع ، وأصله كمرِّ الماء ولما يجري بجريه . يقال : جَرَى يَجْرِي جِرْيَة وجَرَيَاناً . قال عز وجل : وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي «الزخرف: ٥١ » وقال تعالى : جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ «الكهف: ٣١ » وقال : وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ «الروم: ٤٦ »وقال تعالى : فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ «الغاشية: ١٢ » . وقال : إنا لما طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ «الحاقة: ١١ » أي السفينة التي تجري في البحر ، وجمعها جَوَارٍ ، قال عز وجل : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ «الرحمن: ٢٤ » وقال تعالى : وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالإعلامِ «الشوری: ٣٢ » .
ويقال للحوصلة جِرِّيَّة إما لانتهاء الطعام إليها في جريه ، أو لأنها مجرى الطعام .
والإِجْرِيَّا : العادة التي يجري عليها الإنسان .
والجَرِيُّ : الوكيل والرسول الجاري في الأمر ، وهو أخص من لفظ الرسول والوكيل . وقد جَرَيْتُ جَرْياً .
وقوله× : لايستجرينكم الشيطان ، يصح أن يدعى فيه معنى الأصل ، أي لا يحملنكم أن تجروا في ائتماره وطاعته . ويصح أن تجعله من الجري ، أي الرسول والوكيل ، ومعناه : لا تتولوا وكالة الشيطان ورسالته ، وذلك إشارة إلى نحو قوله عز وجل : فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ «النساء: ٧٦ »