المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣١١ - دَرَكَ
. ملاحظات .
دَوَّنَ اللغويون مادة درس فجعلوا دراسة غير الكتب هي الأصل ، ودراسة الكتب مستعارة من الثوب الدارس والمكان الدارس . لكن قولــه تعــــــالى : وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . «الأنعام: ١٠٥ » يدل على أن المادة أصيلة في اللغة العربية وغيرها من اللغات كالعبرية وإن كان سينها شيناً .
لذا نرجح أن يكون دَرْسُ الثوب استعير من دَرْس الكتاب ، وكذا دَرْسُ البيدر لاستخراج الحب من الحنطة .
ومن أفضل من استوفى المادة ، ابن منظور «٦/٧٩ » قال : «دَرَسَ الشئُ والرَّسْمُ يَدْرُسُ دُرُوساً : عفا . وكذلك قالوا : دَرَسَ البعيرُ إِذا جَرِبَ جَرَباً شديداً فَقُطِرَ . ودُرِسَ الطعامُ يُدْرسُ دِراساً : إِذا دِيسَ . والدِّراسُ : الدِّياسُ بلغة أَهل الشام . ودَرَسَ الكتابَ يَدْرُسُه دَرْساً ودِراسَةً ودارَسَه من ذلك ، كأَنه عانده حتى انقاد لحفظه .
وقد قرئ بهما : وليَقُولوا دَرَسْتَ ، وليقولوا دارَسْتَ . وقيل : دَرَسْتَ قرأَتَ كتبَ أَهل الكتاب . ودارَسْتَ : ذاكَرْتَهُ .
ويقال سمي إِدْرِيس×لكثرة دِراسَتِه كتابَ اللَّه تعالى ، واسمه أَخْنُوخُ .
والمِدْراسُ والمَدْرَسُ : الموضع الذي يُدْرَسُ فيه . وكذلك مَدارِسُ اليهود . وفي حديث اليهودي الزاني : فوضع مِدْراسُها كَفَّه على آيةِ الرَّجمِ . المِدْراسُ صاحب دِراسَةِ كتبهم ، ومِفْعَل ومِفْعالٌ من أَبنية المبالغة . ومنه الحديث الآخر : حتى أَتى المِدْراسَ ، هو البيت الذي يَدْرسون فيه .
ودارَسْت الكتبَ وتَدارَسْتُها وادَّارَسْتُها : أَي دَرَسْتُها . وفي الحديث : تَدارَسُوا القرآن ، أَي اقرأُوه وتعهدوه لئلا تَنْسَوْه . وأَصل الدِّراسَةِ : الرياضة والتعَهُّدُ للشئ » .
دَرَكَ
الدَّرْكُ : كالدَّرْج ، لكن الدَّرْجَ يقال اعتباراً بالصعود ، والدرك اعتباراً بالحدور ، ولهذا قيل : درجات الجنة ودَرَكَات النار . ولتصوُّر الحدور في النار سُمِّيَتْ هاوية ، وقال تعالى :
إن الْمُنافِقِيـــنَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْـــــــفَلِ مِنَݡ النَّارِ «النســـاء: ١٤٥ » والدَّرك أقصى قعر البحر .
ويقال للحبل الذي يوصل به حبل آخر ليدرك الماء : دَرَكٌ ، ولما يلحق الإنسان من تبعة : دَرَكٌ كالدرك في البيع . قال تعالى : لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى «طه: ٧٧ » أي تبعة .
وأَدْرَكَ : بلغ أقصى الشئ ، وأَدْرَكَ الصبي : بلغ غاية الصبا ، وذلك حين البلوغ ، قال : حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ «يونس: ٩٠ » .
وقوله : لاتُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ «الأنعام: ١٠٣ » فمنهم من حمل ذلك على البصر الذي هو الجارحة ، ومنهم من حمله على البصيرة ، وذكر أنه قد نُبه به على ما روي عن أبي بكر في قوله : يا من غاية معرفته القصور عن معرفته . إذ كان غاية معرفته تعالى أن تعرف الأشياء فتعلم أنه ليس بشئ منها ، ولا بمثلها ، بل هو موجد كل ما أدركته .
والتدَارُكُ في الإغاثة والنعمة أكثر نحو قوله تعالى : لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ «القــلم: ٤٩ » وقوله : حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً «الأعراف: ٣٨ » أي لحق كل بالآخر . وقال : بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ «النمل: ٦٦ » أي تدارك فأدغمت التاء في الدال ، وتُوُصِّلَ إلى السكون بألف الوصل .
وعلى ذلك قوله تعالى : حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها «الأعراف: ٣٨ » ونحـــوه : اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ «التوبـــة: ٣٨ » واطيَّرْنـا بِكَ
«النمل: ٤٧ » وقرئ : بل أَدْرَكَ علمُهم في الآخرة ، وقال الحسن : معناه جهلوا أمر الآخرة . وحقيقته انتهى علمهم في لحوق الآخرة فجهلوها . وقيل معناه بل يدرك علمهم