الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٠٧
كان باطلا كيف اجرى اللّه هذه الافعال على ايديهم و يعلموا ان جريان مثل هذا على يدي كفار الهند و نحوهم اشد و اكثر من هذا فلما كان سببا لافتخار مخالفينا و لضعف اعتقاد بعض عوامنا اجراه اللّه على يد بعض شيعتنا لاجل ذلك و من ثم لم يجره الا على يد عوام مذهبنا الذين لا يعرفون علما و لا عملا كاملا ليعلم ان هذا و اضرابه مما لا مدخل له في حقيقة الاديان و بطلانها و قد بقى في هذا المقام كلام طويل الذيل حررناه في المجلد الثاني من كتاب نوادر الاخبار.
و بالجملة فالتصوف ليس في لبس ثياب الصوف و اجتناب الثياب الفاخرة و لا في اكل الشعير و ترك ما انعم اللّه به من اللذات و انما التصوف العمل بأوامر الشريعة و نواهيها و ترك شبهاتها و الزهد فيها، قال الصادق ٧ ليس الزهد في الدنيا باضاعة المال و لا تحريم الحلال بل الزهد في الدنيا ان لا تكون بما في يدك اوثق منك بما عند اللّه تعالى و قال امير المؤمنين ٧ الزهد في الدنيا قصر الامل و شكر كل نعمة و الورع عن كل ما حرم اللّه تعالى، و ان اردت العالم الورع فهم علماء شيعتنا في جميع الاعصار و من ثم لم ينقم عليهم المخالفون الا بسبب المتخلفين و قد شكروا لهم عباداتهم و اعمالهم.
و قد كان في قريب من عصرنا مولانا الورع العالم المولى احمد الاردبيلي[١] و قد كان من سكّان النجف الاشرف و من جملة ورعه انه كان يستأجر دابة من النجف و يأخذها من صاحبها و يمضي الى زيارة الكاظميين و العسكريين عليهم السّلام فاذا اراد الرجوع ربما اعطاه بعض اهل بغداد من الشيعة كتابة ليوصلها الى بعض اهل النجف فيضع الكتابة في جيبه و يسوق الدابة و هو يمشي من بغداد الى النجف و يقول ان صاحب الدابة لم يأذن لي في حمل هذه الكتابة على دابته و كان اذا خرج من منزله يضع على رأسه عمامة كبيرة لاجل كل من طلب منه عمامة او مقنعة قطع له من تلك العمامة فاذا رجع الى المنزل ربما بقي على رأسه منها ذراع او اقل، و كان عام الغلاء يقاسم الفقراء في ما عنده من الاطعمة و يبقى لنفسه مثل سهم واحد منهم.
و قد اتفق انه فعل في بعض السنين الغالية هكذا فغضبت عليه زوجته و قالت تركت اولادنا في نثل هذه السنة يتكففون الناس فتركها و مضى عنها الى مسجد الكوفة للاعتكاف فلما كان اليوم الثاني جاء رجل مع دواب حملها الطعام الطيب من الحنطة الصافية و الطحين الناعم فقال هذا بعثه اليكم صاحب المنزل و هو معتكف في مسجد الكوفة فلما جاء المولى من اعتكافه
[١] توفى قدس سره سنة( ٩٩٣) ه ق و دفن في جوار القبة العلوية البيضاء في مدينة العلم( النجف الاشرف) قال العلامة المجلسي( ر ه):( لم اسمع بمثله في المتقدمين و المتأخرين).