الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٣٠
فان قلت كيف جاز ترتب ثواب العمل الاختياري على العقل الذي لا اختيار للانسان في تحصيله فعبادة هذا العابد لو وقعت من كامل العقل لكان ثوابها أزيد مع انها عمل واحد قلت الجواب عنه من وجوه الاول ان العقل و ان كان موهبيا لكن له حالات و ادوات كسبية يمكن تضاعفها و تزايدها بالممارسة و الكسب و معاشرة الانبياء و الاولياء و ارباب العقول و الاحلام و هذا شعبة من شعب تهذيب الاخلاق الذي ارسلت الانبياء له، و قد كان هذا العابد مقصرا في درجات التفكر و معاشرة من قد كان مكملا لحالات عقله التي كان يدرك بها ان اللّه سبحانه مستغن عن الحمار كما هو الموجود في تلك الاعصار من احوال اهل العبادة و عزلتهم عن الناس مع نقصانهم في الكمال الاختياري لهم و ذلك ان العزلة قد اشتملت على عين العلم و زاء الزهد، فان رفعت منها عين العلم صارت زلة أي ذنب اعظم الذنوب و ان رفعت منها زاء الزهد صارت علة كما في عزلة اكثر الصوفية فانه خالية من عين العلم و زاء الزهد.
الثاني ان العقل هنا المراد به العلم و اطلاقه عليه في الكتاب و السنة كثير جدا من باب اطلاق اسم السبب على المسبب و لا ريب ان تحصيله امر اختياري و به تقوى حالات العقل و شعبه و ذلك العابد لو كان حصّل العلم و طلبه من اهله لما خفى عليه ان اللّه ليس له حمار فقد قصر في تحصيل العلم و من ثم كان ثوابه قليلا.
الثالث ان العقل كلما اكمل كانت المعارضات و الموانع و جنود الشيطان عليه اكثر، و ذلك ان الشيطان و جنوده انما تكثر و ساسوهم و تسويلاتهم لارباب العقول و كلما كان العقل انقص كانت المعارضات له عن سلوك جادة الايمان اقل فكامل العقل لما كان كثير الجهاد لجنود الشيطان لازالة تلك الموانع كان ثوابه اكثر لكثرة اعماله الظاهرة و الباطنة التي منها ما عرفت و اما ناقص العقل فله ذلك العمل الظاهر و هو العبادة و القيام بها فاعماله اقل من اعمل ذلك الرجل فيكون كثرة الثواب و قلته هنا راجعة الى زيادة العمل و نقصانه و هذا هو العدل و ما كان ربك بظلام للعبيد.
نور في ايام رضاعه
و ما يكون فيها الى يوم فطامه اعلم ان في ارضاع الام لولدها ثوابا جزيلا، روى ابو خالد الكعبي عن ابي عبد اللّه ٧ ان رسول اللّه ٦ قال ايما امرأة رفعت من بيت زوجها شيئا من موضع الى موضع تريد به صلاحه نظر اللّه عز و جل اليها، و من نظر اللّه اليه له يعذبه فقالت ام سلمة رضي اللّه عنها ذهب الرجال بكل خير فأي شيء للنساء المساكين؟ فقال ٧ بلى اذا حملت المرأة كانت بمنزلة الصائم المجاهد بنفسه و ماله في سبيل اللّه فاذا وضعت كان لها