الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٤٨
فان قلت ما معنى بكاء البقاع و الابواب و نحوها من الجمادات قلت قد ذكر له معان:
اولها ان البكاء الصادر منها انما هو بلسان الحال لا المقال و مثل هذا قد ورد في لسان العرب كثيرا و ذلك انهم ينسبون البكاء على الاحباب الى منازلهم و اطلالهم و نحوها و ثانيها ان الافعال المنسوبة الى الجمادات كالبكاء و التسبيح و التقديس و غير ذلك انما هو في الحقيقة لاهلها و لمن حل بها و هو من المجازات المشهورة.
و ثالثها ان اللّه سبحانه قد ركب في الجمادات نوعا من العلم و الشعور للخضوع و الانقياد لخالقا و بارئها و ان من شيء الا يسبح بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحهم و من هذا قال بعضهم ان تسبيح الحصاة في كفّه ٦ ليس باعجاز انما الاعجاز في اسماعه الصحابة و هذا هو الذي دلّت عليه الاخبار فلا عدول عنه.
و بالجملة فرقيب و عتيد يكتبان عليه من اول بلوغه الى اربعين سنة و لكن يسامحونه هذه المدة و لا يشددان عليه في امر الكتابة لتظافر دواعي الشهوات و الاثام فاذا بلغ الاربعين اوحى اللّه الى ملكيه ان اكتبا و تحفظا على اعماله و لا تسامحوه في شيء فقد روى ان الذنب الواحد ربما كتبوه في سبعة ارقعة و ذلك لقلة الدواعي و للاخذ في انقاص الشهوات فاذا اتى ذنبا فقد اتاه من وجه شقائه لا من حيث الشهوة و كلما بلغ سنّه زاد التشديد عليه و من هذا قال ٧ اني لا عجب كل العجب من رجلين و اللّه يبغضهما فقير متكبر و شيخ زان و في الرواية ان الرجل اذا شابت لحيته و بقى على ما كان عليه من مقارفة الذنب اتاه الشيطان و وقف بحياله و قال بأبي وجها لا يفلح ابدا انت مناي و مرادي فيسرجه و يلجمه و يركب على ظهره و يورده موارد الهلاك و ربما نزل عنه و قال ان ظهره لنا متى اردنا ركبناه.
و يجب على من دخل تحت قلم التكليف ان يبادر الى البحث و الفحص عن احوال طريقه و مذهبه الذي يوصله الى النجاة لان الاديان و المذاهب قد تشعبت بعد النبي ٦ و كل فرقة ادعت انها هي المحقة و انها من اهل الجنة و فسقت او كفرت غيرها و في الطريق المتواتر عن النبي ٦ ان امة موسى افترقت بعده احدى و سبعين فرقة فرقة ناجية و الباقون في النار و ان في امة عيسى افترقت بعده اثنين و سبعين فرقة فرقة ناجية و الباقون في النار و ان امتي ستفترق بعدي ثلاثا و سبعين فرقة فرقة ناجية و الباقون في النار، و قد اخبر ٦ عن افتراق الامة بعده و ابتداعهم الاديان و رجوعهم القهقرى و الى هذا اشار قوله تعالى وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ.
و قد ذهب جمهور المخالفين الى ان اختلاف الامة بعده ٦ هو الاصلح و الاولى بحالهم و استدلوا عليه بالكتاب و السنة اما الكتاب فقوله تعالى وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ