الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١١٩
و ايضا هو خلاف العادات، و ذلك ان طول الامل و رجاء ان يبلغ العمر الى الثمانين و ما فوقها هو الذي حثنا و رغبنا في امور الدنيا و المبادرة اليها فكيف لو علمنا بالحيوة ابدا و هذا ظاهر و ايضا في حب الوطن نظام امر الدنيا المأمور به و ذلك ان بعض الناس على ما شاهدناهم لهم اوطان و بلاد لا يقدر غيرهم ان يقيم فيها يوما واحدا لكنها عندهم احبّ من بغداد و اصفهان و ذلك انهم لو كرهوها لما فيها من الضرر الذي لا يحتمله غيرهم لادّى الى خراب اكثر البلاد و ازدحام الناس في امكنة مخصوصة.
و ايضا فأنه ٦ لما هاجر الى المدينة و سكن فيها كان اذا اتاه آت من مكة يسأله عن ارضها و عن ازهارها و مياهها و يتشوق اليها، و يقول هي مسقط رأسي فيظهر الميل اليها من جهة كونه وطنا لا من جهة الشرف و الفضل فان لذلك مقاما آخر مع انه ٦ لقى من اهلها انواع الاذى لكنها
|
ديار بها حلّ الشباب تميمتي |
و اول ارض مسّ جلدي تربها |
|
و كذلك الائمة عليهم السّلام كانوا يتشوقون الى اوطانهم و يظهرون الميل اليها و الحب لها لكونها اوطانا مع ان الاوطان و الديار ليستا من امور الدنيا.
و حيث انتهى الحال بنا الى هنا فلا بأس بتحقيق الدنيا و انها عبارة عن أي شيء و ما المراد بالدنيا التي اطبق اهل اللّه على ذمها، و ما المراد بالدنيا التي مدحها امير المؤمنين ٧ في بعض مواطنه، و ذلك انه ٧ سمع رجلا يذم الدنيا فقال ايها الذام للدنيا المنخدع بأباطيلها المغتر بغرورها، بم تذمها انت المتجرم عليها ام هي المتجرمة عليك، متى استهوتك ام متى غرتك، أ بمصارع آبائك من البلى ام بمضاجع امهاتك تحت الثرى كم عللت بكفيك و مرضت بيديك تبغي لهم الشفاء و تستوصف لهم الاطباء لم ينفع احدهم اشفاقك و لم تسعف فيه بطلبتك و لم تدفع عنه بقوتك، قد مثلت لك به الدنيا نفسك و بمصرعه مصرعك ان الدنيا دار صدق لمن صدقها و دار عافية لمن فهم عنها و دار غنى لمن تزود منها و دار موعظة لمن اتعظ بها، مسجد احباء اللّه و مصلى ملائكة اللّه و مهبط وحي اللّه و متجر اولياء اللّه اكتسبوا فيها الرحمة و ربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمها و قد اذنت ببينها و نادت بفراقها و نعت نفعها و اهلها فمثلت لهم ببلائها البلاء و شوقهم بسرورها الى السرور راحت بعافية و ابتكرت بفجيعة ترغيبا و ترهيبا و تخويفا و تحذيرا فذمها رجال غداة الندامة و حمدها آخرون يوم القيامة، ذكرتهم الدنيا و حدثتهم فصدقوا و وعظتهم فاتعضوا و لم يعهد منه ٧ مدح للدنيا سوى هذا الموضع نعم روى عن