الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٦٣
امير المؤمنين أ تراها لو حبست عنك عند خروجها بم كنت تشتريها؟ قال بالنصف الباقي، قال فلا يغرنّك ملك قيمته شربة ماء، فانظر ايها العاقل كم تتناول في يومك و ليلتك مما يساوي ملك الرشيد و يزيد عليه اضعافا، فما قيمة عبادتك و ما توقعه منك في يومك و ليلتك فلو جعلت للّه نفسا تقول فيه لا اله الا اللّه قال اللّه تعالى و من يعمل من الصالحات من ذكر او انثى و هو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة و يرزقون فيها بغير حساب.
و روى ان عابدا عبد اللّه تعالى سبعين عاما صائما نهاره قائما ليله، فطلب الى اللّه حاجة فلم تقض فأقبل على نفسه و قال من قبلك أتيت لو كان عندك خير قضيت حاجتك فأنزل اللّه اليه ملكا فقال يا ابن آدم ساعتك التي ازريت فيها على نفسك خير من عبادتك التي مضت، ثم تأمل بعد ذلك ثلاثة امور احدها ان الملك من ملوك الدنيا اذا قرر لواحد من اتباعه طعاما او كسوة او دراهم فانه يستخدمه لاجلها بضروب الخدم في الليل و النهار بل ربما قام على رأسه و وقف امامه ركب لاجله لحجج البحار و ربما بذل مهجته في مقاتلة اعدائه و لا ينفعه في الاخرة فهو يتحمل كل تلك المشاق لاجل تلك المنفعة الخسيسة الفانية و يعترف له بالنعمة و الفضل مع ان تلك النعمة و الفضل كله من اللّه فكيف تستكثر انت عملك الحقير المشوب بالافات و النقائص لربك الذي خلقك و لم تك شيئا مذكورا ثم رباك و انعم عليك فقال و ان تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها.
و ثانيها ان تتفكر في ان الملك الذي من شأنه ان الملوك تخدمه أذا أذن في إدخال الهدايا عليه و وعد عليها بالعطاء العظيم، و أمر ان لا يستحي أحد بهديته و لو كانت طاقة (بطاقة خ) بقل، فدخلت عليه الأمراء و الأكابر بأنواع الهدايا ثم جاء بقال اليه بباقة (باقة خ) بقل تساوى درهما فدخل بها الى حضرته و زاحم أولئك الكابر بهداياهم الجليلة، فقبل الملك من الوضيع هديته و نظر اليها نظر القبول و أمر له بأنفس حلة قيمته مأة الف دينار كان منه غاية في الكرم و التفضل، ثم لو فرض ان هذا الفقير نظر بخاطره الى هديته و أستعظم أمرها و تعجب بها و نسى ذكر منة الملك قيل انه مجنون فاسد العقل و الرأى.
و ثالثها ان الملك الذي من شأنه ان تخدمه الملوك و الأمراء و تقوم على رأسه السادات و العظماء و يتولى خدمته الحكماء اذا أذن لسوقيّ او قرويّ في الدخول عليه و القرب منه حتى زاحم اولئك الأكابر و السادات و الأفاضل في خدمته، و جعل له مقاما في حضرته أ ليس يقال لقد كثرت على هذا الفقير المنه من الملك و عظمت عليه النعمة، فان أخذ هذا الفقير الحقير يمن على الملك بتلك الخدمة الحقيرة و يستعظم ذلك مع هذه النعمة الواصلة اليه و يعجب بعمله أ ليس ينسب الى محض السفه و الجنون و كيف و الهنا الذي وقف بخدمته الانبياء و المرسلون