الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٦٠
لا جعلنّ عملي كله للّه فلم يزد على عمله الذي كان يعمل قبل ذلك الا انه تغيرت نيته الى الخير و كان ذلك الرجل يمر بعده بالناس فيقولون رحم اللّه فلانا الان اقبل على الخير.
ثم هب انهم احبوك و اكرموك و خفى عليهم حالك مع ان اللّه تعالى مطلع على فساد نيتك و خبث سريرتك فأي خير لك في مدح الناس و انت عند اللّه مذموم و اي شر لك من ذم الناس و انت عند اللّه ممدوح من اهل الجنة و من احضر في قلبه الجنة و نعيمها المؤبد و المنازل الرفيعة عند اللّه تعالى استحقر ما يتعلق بالخلق ايام الحياة مع ما فيه من الكدورات فان لم يكتف بهذا كله فلتأمل في ثلاثة اشياء.
احدها انه لو قيل لك ان رجلا معه جوهر نفيس لياوس مأة الف دينار و هو محتاج الى ثمنه بل الى بيعه عاجلا و الى اضعافه ثمنا فحضر من يشتري منه متاعه باضعاف ثمنه مع حاجته الى الاضعاف ايضا فأبى بيعه بذلك بفلس واحد ا ليس ذلك يكون خسرانا عظيما و عيبا فظيعا و دليلا بينا على دنائة الهمّة و قصور العلم و الفهم و ضعف الرأي ورقة العقل بل على السفه المحض و هذا بعينه حال المرائي فان ما يناله العبد بعمله من مدحه و حطام الدنيا بالاضافة الى رضاء رب العالمين و شكره و ثواب الاخرة اقلّ من فلس في جنب الف الف دينار بل في جنب الدنيا و ما فيها و اكثر و هذا هو الخسران المبين فان كان و لا بد لك من هذه الهمة الخسيسة فاقصد انت الاخرة و هو سبحانه يعطيك الدارين قال النبي ٦ ان اللّه يعطي الدنيا بعمل الاخرة و لا يعطي الاخرة بعمل الدنيا.
و ثانيها ان المخلوق الذي يعمل لاجله و طلب رضاه لو علم انك تعمل لاجله لابغضك و لاستهان بك مضافا الى مقت اللّه و بغضه و ما تعمله للّه خالصا يوجب رضاء الفريقين فكيف يعمل العامل لاجل لو علم بأنه يطلب رضاه لسخط عليه و اهانه.
و ثالثها ان من حصل له سعى يكتسب به رضاء اعظم ملك في الدنيا فطلب به رضاء كنّاس خسيس فطلب سخط ذلك الملك و رضاء الكنّاس فيكون هذا دليلا على ردائة الرأي و سوء المنظر و يقال له ما حاجتك الى هذا الكنّاس مع امكانك رضاء الملك و هذا هو الدواء العلمي و اما الدواء العلمي فهو ان يعوّد نفسه اخفاء العبادات و اغلاق الابواب دونها كما تغلق الابواب دون الفواحش حتى يقنع قلبه اطلاع اللّه سبحانه على عبادته و لا تنازعه نفسه الى طلب غير علم اللّه و هو امر يشقّ في ابتداء المجاهدة لكن اذا صبر عليه مدة بالتكلف سقط عنه ثقله و هان عليه ذلك بتواصل الطاف اللّه تعالى و بما يمدّ به عباده من حسن التوفيق فان اللّه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فمن العبد المجاهدة و من اللّه الهداية قال اللّه تعالى و الذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا الاية.