الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٥٦
فيكون لم يفرّق بين الخلوة و الملأ للناس و الاخلاص ان يكون مشاهدة البهائم لصلاته و مشاهدة الخلق على وتيرة واحدة و الى هذا الاشارة في الحديث النبوي لا يكمل ايمان العبد حتى يكون الناس عنده بمنزلة الاباعر.
الرابع هو أدقّ و اخفى و هو ان ينظر اليه الناس و هو في صلاته فيعجز الشيطان عن ان يقول له اخشع لاجلهم لانه عرف انه لا يصغي اليه بل يقول له تفكر في عظمة اللّه و جلاله و من انت واقف بين يديه و استح ان ينظر اللّه الى قلبك و انت غافل عنه فيحضر بذلك قلبه و تجتمع جوارحه و يظن ان ذلك عين الاخلاص و هو عين الرياء فان خشوعه لو كان لنظره الى عظمة اللّه سبحانه لكان حاله في الخلوة هكذا، و لكان لا يختص خطور هذه الخطرة يحضور غيره، و علامة الامن من هذه الافة ان يكون هذا الخاطر مما يألفه في الخلوة كما يألفه في الملأ و لا يكون حضور الغير هو السبب كما لا يكون حضور البهيمة سببا فما دام يفرق في احواله بين مشاهدة الناس و البهائم فهو بعد لم يخلص لربه و هذا الشرك الذي قال فيه رسول اللّه ٦ انه اخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة في سواد الليلة الظلماء على الصخرة الصمّاء و يعترى ذاكرين اللّه كثيرا بل قيل انه يحملهم على المهالك في كل حركة من الحركات حتى في كحل العين و قصّ الشارب و طيب يوم الجمعة و لبس الثياب فانها سنن في اوقات مخصوصة لكن للنفس فيها حظّ خفي لارتباط نظر الخلق بها، فيدخل الشيطان فيها عليه المداخل و من هذا قيل ركعتان من عالم افضل من عبادة سنة جاهل فاراد به العالم لمبصر بدقائق العبادة حتى يخلص عنها لا مطلق العالم، فان مداخل الشيطان عليه اعظم من مداخله على الجهال و اوسعها.
الخامس ان يكمل العبادة على الاخلاص المحض و النية الصالحة لكن عرض له بعد الفراغ منها حبّ اظهارها ليحصل له بعض الاغراض المحققة للرياء خديعة من الشيطان له انه قد كمل العبادة الخالصة له و قد كتبها اللّه سبحانه في ديوان المخلصين و لا يقدح فيها ما يتجدد و انما ينضم الى ما حصله بها من الخير الاجل خير عاجل فيحدث به و يظهره لذلك ايضا، فهذا ايضا مفسد للعمل و ان سبق كما يفسده العجب المتأخر و يدخل في زمرة الذين قال اللّه عنهم قل هل ننبئكم بالاخسرين اعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون انهم يحسنون صنعا.
و قال الصادق ٧ من عمل حسنة سرا كتبت له سرا فاذا اقرّ بها محيت و كتبت جهرا، فاذا اقرّ بها ثانية و كتبت رياء و فضل عمل السر على عمل الجهر سبعون ضعفا اما لو تعلق باذاعته غرض صحيح كما لو اراد ترغيب السامع في فعل الخير فلا بأس اذا لم يمكن ترغيبه بدونه و الا كان هو الاولى و قد روى محمد بن مسلم عن الباقر ٧ قال لا بأس ان تحدّث اخاك