الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٢٨
عنده بقدر قوة يقينه فانفكاكه عنها في الصلوة لا سبب له الا تفرق الفكر و تقسم الخاطر و غيبة القلب عن المناجاة و الغفلة عن الصلوة و لا يلهى عن الصلوة الا الخواطر الواردة الشاغلة.
فالدواء في احضار القلب هو دفع تلك الخواطر و لا يدفع الشيء الا بدفع سببه و سبب توارد الخاطر اما ان يكون امرا خارجا او امرا في ذاته باطنا اما الخارج فما يقرع السمع و يظهر للبصر فان ذلك قد يخطف الهمّ حتى يتبعه و يتصرف فيه ثم ينجرّ منه الفكر الى غيره و يتسلسل و يكون الابصار سببا للافتكار ثم يصير بعض تلك الافكار سببا للبعض الاخر و من قويت رتبته و علت همته لم يلهه ما يجري على حواسه و لكن الضعيف لا بدّ و ان يتفرق به فكره فعلاجه قطع هذه الاسباب بان يغضّ بصره و يصلي في بيت مظلم و لا يترك بين يديه ما شغل حسّه و يقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره و يحترز من الصلوة على الشوارع و في المواضع المنقوشة المصنوعة و على الفرش المزينة و لذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم بقدر ما يمكن الصلوة فيه ليكون ذلك اجمع للهم.
و ينبغي ان لا يعدل الى غمض العينين ما وجد السبيل الى القيام بوظيفة النظر و هي جعله قائما الى موضع سجوده و غيره من الامور المعلومة شرعا فان تعذّر القيام بها مع فتحهما فالغمض اولى لان الفائت من وظيفة الصلوة و صفتها بتقسم الخاطر اعظم منه مع الاخلال بوظيفة النظر.
و ليخطر بباله عند نظره الى موضع سجوده انه واقف بين يدي ملك عظيم يراه و يطّلع على سريرته و باطن قلبه و ان كان هو لا يراه فان التوجه اليه لا يكون الا بوجه القلب و وجه الرأس مثال و مضاف بالتبع و انه يخاف ان ولاه ظهر قلبه ان يطرده عن باب كرمه و يسلبه عن مقام خدمته و يبعده عن جناب قدسه و مقدّس حضرته و كيف يليق بالعبد ان يقف بين يدي سيده و يوليّ ظهره و يجعل فكره في غير ما يطلبه منه و لا ريب في ان هذا العبد مستحق للخذلان مستوجب للحرمان في الشاهد الخسيس و القياس البعيد فكيف في المقصد الاصلي و الملك الحقيقي و قد ورد في الحديث ان اللّه لا ينظر الى صوركم و لكن ينظر الى قلوبكم فبهذا و نظائره تجتمع الهمة و يصفو القلب و ينحصر بالنظر الى الامور الخارجية.
و اما الاسباب الباطنة فانه اشدّ فان من تشعبت به الامور في اودية الدنيا لم يحضر فكره في فنّ واحد بل لا يزال يطير من جانب الى جانب و غضّ البصر لا يعنيه فان ما وقع في القلب كاف في المشغل فهذا طريقه ان يرد النفس قهرا الى فهم ما يقرأه في الصلوة و يشغلها به عن غيره و يعنيه على ذلك ان يستعدّ قبل التحريم بأن يجدد على نفسه ذكر الاخرة و موقف المناجاة و خطر