الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٢٦
ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون و قال تعالى ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون فأخبر ان جلاء القلب يحصل بالذكر و ان المتقين هم المتذكرون فالتقوى باب الذكر و الذكر باب الكشف و الكشف باب الفوز الاكبر.
و اعلم ان القلب مثاله مثال حصن و الشيطان عدوّ يريد ان يدخل الحصن و يملكه و يستولي عليه و لا يقدر على حفظ الحصن من العدو الا بحراسة ابواب الحصن و مداخله و مواقع تهمه فينبغي الاهتمام بمعرفة ذلك و الامر الجامع له الاقبال على اللّه و تخيّل انه واقف بين يديه فان لم تراه فانه يراك كما في الخبر فاذا اشعرت بذلك و تحققته و عملت به انسدّت الابواب دون و سادس اللعين و اقبل القلب على اللّه تعالى و تفرغ للعبادة.
و قد روى عن النبي ٦ ان العبد اذا اشتغل بالصلوة جاء الشيطان و قال له اذكر كذا اذكر كذا حتى يضلّ الرجل ان يدرك (يدري خ) كم صلّى و من هيهنا ظهر لك ان مجرد التلفظ بالذكر باللسان ليس هو الزاجر للشيطان بل لا بدّ معه من عمارة القلب بالتقوى و تطهيره من الصفات المذمومة التي هي اعوان ابليس و جنده و الا فالذكر من اقوى مداخل الشيطان و كذلك غيره من العبادات و لذلك قال تعالى ان الذي اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون فخصص ذلك ذلك بالمتقي و تأمل انت في منتهى ذكرك و عبادتك و افضل اعمالك و هو الصلوة فليس الخبر كالعيان فراقب قلبك اذا كنت في الصلوة كيف يتجاذبك الشيطان في الاسواق و البساتين و حساب العاملين و جواب المعاندين و غيرهم، و كيف يمرّ بك في اودية الدنيا و مهالكها حتى انك لا تتذكر ما نسيته في فضول الدنيا الا في صلاتك و لا يزدهم الشيطان على قلبك الا اذا صليت فلا جرم لا يطرد عنك الشيطان بصورة العبادة و ان تأدّى بها الواجب عليك و خرجت من عهدة الامر الالهي بل لا بد في دفعه مع ذلك من اصول اخرى و اصلاح الباطن من الرذائل التي هي اعوانه و جنده و الا لم يرد الا ضررا كما ان الدواء قبل الاحتماء لا يزيد المريض الا مرضا و الما ثم بعد ذلك يتصف بالفضائل و حينئذ يصير قلبه قابلا للاقبال مشفقا من التفريط و الاهمال قال اللّه تعالى الا بذكر اللّه تطمئن القلوب فاجعل هذه العلامة بينك و بين استقامة قلبك و اقباله اوقفنا اللّه و اياك بساط الاستقامة بمحمد و آله انتهى.
اقول ما ذكره طاب ثراه من تجاذب الشيطان في الاسواق مشاهد بالوجدان و يعجبني نقل حكاية حكاها رجل ثقة عادل و هو انه قال اني فكرت في قلبي انه قد جاء في الحديث ان من قبلت منه صلاة ركعتين لا يعذبه بعده فقلت اني امضي الى مسجد الكوفة و انفرد بصلوة ركعتين بحضور القلب و استجماع الشرائط فمضيت اليه و شرعت في صلاة الركعتين و فرّغت