الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٨٠
الشاك و من هذا الظان؟ فان قلتم انه ربكم فقد كفرتم تحقيقا و صار كل واحد منكم زنديقا؟ و ان قلتم انه العبد و هو الحق فقد تركتم مذهبكم و رجعتم الى الحق.
فان قال قائل ان الاشاعرة ما صرّحوا بمثل هذا فمن اين نسبت مثله اليهم قلت نعم قد صرّح به علماؤهم و المحققون منهم قال الرازي في كتاب الاربعين المسألة الرابعة و العشرون في بيان ان اللّه تعالى مريد لجميع الكائنات مذهب المعتزلة ان الارادة توافق الامر فكل ما امر اللّه تعالى به فقد اراده و كل ما نهى عن فقد كرهه مذهبنا ان الارادة توافق العلم و كل ما علم وقوعه فهو مراد الوقوع و كل ما علم عدمه فهو مراد العدم فعلى هذا ايمان ابي جهل مأمور به و غير مراد كفره منهي عنه و هو مراد هذا لفظه و يلزم عليه ان يكون ابو جهل قد غلب النبي ٦ بالاحتجاج بان يقول له ربك ما يريد منّا الاسلام و انت تريده و ايقاع ارادة ربك اوجب من ايقاع ارادتك فكان قد انقطع محمد ٦ و بانقطاعه ينقطع حجة من ارسله و ان كان الرازي يزعم ان محمدا ٦ ما يريد ايضا من الكفار الايمان فتكون حجتهم قد ازدادت قوة و يقولون له اذا كان اللّه تعالى قد ارسلك ما يريد الايمان منّا و انت ما تريده منّا فنحن ايضا ما نريد خلاف ارادتكم فعلام تحاربنا و تعادينا و قد وافقت ارادتنا و ارادة من ارسلك و كان ابلغ في ظهور حجة الكفار عليه و للقد كانت الجاهلية اقل كفرا من هذا الاعتقاد و الجاهلون باللّه ما بلغوا الى هذه الغاية من الكفر و الفساد لان اولئك ما عرفوه فيما نسبوا اليه خيرا و لا شرا او هؤلاء المجبرة ادعوا معرفته و نسبوا كل شر و كفر و ضرّ اليه فيعزّ على اللّه و على رسوله ما جنى هؤلاء عليه.
و ما احسن قول بعض المحققين انه يلزم على قول الرازي و من تابعه ان يكون قولهم نحو قول النصارى في عيسى بن مريم و النصيرية في علي بن ابي طالب لان عقلاء النصارى و النصيرية ما كان يخفى عليهم ان اللّه سبحانه غير هيكل عيسى و علي عليهما السّلام نعم رأوا ان الافعال الصادرة منهما خارجة عن طوق البشر فنسبوها الى انها من فعل اللّه و عبدوا فاعل تلك الافعال و غلطوا في التسمية، و هذا هو قول الرازي و من وافقه في انه لا فاعل سوى اللّه جل جلاله فانهم يلزمهم تصديق النصارى و النصيرية في ان افعال عيسى و افعال علي عليهما السّلام فعل اللّه و الفاعل لها هو اللّه جل جلاله الذي يستحق العبادة.
و اما الغزالي فهو ازهدهم و اورعهم و اعلمهم و قد قال في كتاب احياء العلوم و لا يجري في الملك و الملكوت طرفة عين و لا فلتة خاطر الا بقضاء اللّه و قدره و بارادته و مشيته فمنه الخير و الشر و النفع و الضر و الاسلام و الكفر و العرفان و النكر و و الفوز و الحسن و الغواية و الرشد و الطاعة و العصيان و الشرك و الايمان و نحو هذا قال في كتاب منهاج العابدين و هو آخر كتاب صنفه و ما خصّ بي الا خواصه كما قاله صاحب الطرائف.