الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٢٨
و وصفهم و ذلك انهم خصوصا العلماء انما شوقهم الى لذاتهم المعنوية و اما هذه اللذات الحسية كالنكاح و اضرابه فلا يهتمون بالتلذذ به كمال الاهتمام بل اكثر قصدهم بغشيانهم النساء انما هو امتثالهم السنة فيكون شوق المرأة الى تلك الحاجة ازيد و اعظم فيأتي الولد متصفا بأوصافها بعيد الوصول الى معالي ابيه و صفاته.
و وجه آخر قريب من هذا و يوافقه أقوال الاطباء و هو ان النطفة انما تتكون من الغذاء و كلما كان الغذاء الطف و الطبيعة متوجهة الى طبخه و نضجه و جره الى مجاريه كانت النطفة ارقّ و الطف، فأما العلماء و من نحى نحوهم فان طبايعهم الشريفة اجلّ من ان تتوجه الى الغذاء و طبخه و نضجه حتى يحسن تكون النطفة و نضجها الا القليل في قليل من الاقات و قال الصادق ٧ من نعم اللّه عزّ و جل على الرجل ان يشبهه ولده و هذه النطفة هي التي روى عمار الساباطي قال سأل ابو عبد اللّه ٧ عن الميت هل يبلى جسده؟ قال نعم حتى لا يبقى لحم و لا عظم الا طينته التي خلق منها، فانها لا تبلى تبقى منه في القبر مستديرة حتى تخلق منها كما خلق اول مرة و قوله ٧ مستديرة الظاهر انه مأخوذ من دار يدور دورانا يعني منتقلة من حال الى حال و من شأن الى شأن في جميع مراتب التغيير لكنها باقية في ذاتها حتى يخلق منها كالخلق اول مرة و قد يفسر بمعنى مدورة بناء على صيرورتها بسيطة او يجعل كناية على كثرة استمدادها بناء على ان الدائرة اوسع الاشكال، و لا يخفى ما في هذين من التكلّف و الركاكة.
فان قلت كيف طريق التوفيق بين هذا الخبر و بين ما رواه شيخنا في الكافي عن الصادق ٧ و قد سأل عن علة تغسيل الميت غسل الجنابة فقال ان اللّه خلق خلاقين فاذا اراد ان يخلق خلقا امرهم فأخذوا من التربة التي قال في كتابه منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة أخرى فعجن النطفة بتلك التربة التي يخلق منها بعد ان اسكنها الرحم اربعين ليلة فاذا تمت له اربعة اشهر قال يا ربّ تخلق ما ذا؟ فيأمرهم بما يريد من ذكر او انثى ابيض او اسود فاذا خرجت الروح من البدن خرجت هذه النطفة بعينها منه كائنا ما كان، صغيرا او كبيرا، ذكرا او انثى فلذلك يغسل الميت غسل الجنابة و ظاهر هذا الحديث ان تلك النطفة لا تصل معه الى القبر بل تخرج منه حال الموت اما قبل خروج الروح او بعده، و في الاخبار انها تخرج تارة من عينيه بهيئة الدموع و اخرى من فمه كالزبد قلت يمكن ان يقال في وجه الجمع امران.
الاول ان الخارج منه حال الموت هو نطفة المنمى و من ثم اوجبت الغسل و الذي يبقى معه في القبر انما هو التراب الذي يؤتى به الى النطفة و يمزج معها الثاني ان يكون الخارج منه وقت الموت بعض تلك النطفة و الباقي بعض آخر و قوله ٧ فلذلك يغسل الميت غسل الجنابة